أبو فريد/ راوي سلطاني

أبو فريد/ راوي سلطاني

كاد ينتهي الغبار، علينا تنظيف الغرفة، بدأ الغبار يجري في دمي، الوضع لا يحتمل، علينا تنظيف الغرفة.

سنخرج أولاً أوراق الجرائد من كل فتحات السياج ليدخل هواء جديد، ثم نخرج كل ما في الغرفة لننظفها جيداً.

"أبو فريد" رجل مسنّ، دائم السعال، لا يستطيع أن ينظف أغراضه بنفسه. يراقب الوجوه السبعة حوله لعل عينيه تلتقيان بزوج عيون آخر، ففيهم مرامه ويلقى شفقة من أحد. لكن بلا فائدة. الجو الخانق والغبار الكثيف على مدى ثلاثة أيام جعلت الأسرى كأن ((لا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون)).

بدأ أبو فريد يسعل بشدة طالباً الانتباه، فلم يعره أحدٌ إياهُ، استلقى على ظهره ووضع يديه على صدره وبدأ يتنفس بصعوبة، وحشرجات تخرج من صدره. أتاه صوت خافت من آخر الزنزانة: "ما بك يا أبا فريد".

لم يجب أبو فريد، لكنه بدأ يسعل مجدداً. كان الجميع يتعامل مع هذا المشهد بأنه روتينٌ يتكرر كلما شعر أبو فريد بالملل، يتمارض ليسمحوا له بالخروج إلى الساحة في غير موعدها، أو ليتهرب من المشاركة في الجلسات التنظيمية والسياسية، أو ليقوم شخص آخر بتحضير الطعام عندما يأتي دوره، أو ليُعفى من التنظيف (مثلما ظنّ الجميع أنه يحصل الآن).

توقف سعال أبي فريد، عادت تظهر أصوات نفض الغبار عن كل شيء، المخدّات والفرشات والباب والشبّاك والحائط والحمّام والأوراق المبعثرة والملابس، وأبو فريد مستلقٍ لا يُسمَع منه إلا أصوات أنفاسه المبحوحة، كأنه تمثال وسط ساحة رقص.

ملأ الغبار جو الغرفة، وأصبح من الصعب على الجميع التنفس، فالأتربة المنفوضة عن الأغراض انتشرت بالجو. شعرت في حلقي بكتلة تراب، وطعم رملٍ في فمي، واصفرار يغطي بصري وبصيرتي، وأنفي يضغط على عيني من شدة الالتهاب، لكن علينا تنظيف الغرفة.

طلبتُ من أبي فريد أن ينتقل إلى مكان آخر لأنظف له مكانه. لكنه طلب أن نحضر له الطبيب. فكرنا بأنه لا يمكن أن يحضر الطبيب في هذا الوقت من الصباح، فالسجن لم يفتح بعد. حاول الجميع ثنيه عن الفكرة، نصحوه بالتروّي حتى ينتهي التعداد الصباحي، ونصحوه بوضع قطعة قماش على فمه حتى لا يتنفس الغبار، وعرضوا عليه الشاي، ومن كان يحتفظ بحبة دواء عرضها عليه، حتى أنّ أحدهم عرض عليه حبة شوكولاطة، وأبو فريد ظل مصراً بأن يأتوه بالطبيب حالاً.

علت أصوات الحشرجات بصدر أبي فريد، فوقف أحدهم إلى الباب منادياً السجّان بصوت يائسٍ، فهو يعرف أن لا أحد سيردّ عليه، انتظرَ لثوانٍ ونادى ثانيةً، وثالثةً، ورابعةً، وأنفاس أبي فريد تعلو وتتسارع بين كل ندهةٍ وأخرى.

أتانا صوت من الزنزانة المجاورة سائلاً عن سبب ندائنا، وعندما أخبرناه بأنّ أبا فريد تتثاقل أنفاسه ويحتاج لأن يراه طبيب بدأ يساعدنا بالنداء. تعالت الأصوات من عدة زنازين، ودخل السجان مسرعاً طالباً أن يهدأ الجميع، وجهوهُ إلى زنزانة ١٣ حيث يرقد أبو فريد، أطل من فتحةٍ بأعلى الباب. بالغنا بالجزع ليفهم أن الحالة خطيرة، وقلنا إن الطبيب يجب أن يحضر حالاً، فقال بغضب: "تعرفون أن الطبيب لا يمكن أن يحضر الآن" وغادر مسرعاً.

نظرنا كلنا إلى أبي فريد متمنين أن تكون قد هدأت حالته، فكنا نعرف فعلاً أن الطبيب لا يمكن أن يحضر بسهولة، لكن لون أبي فريد صار شاحباً، وانقطع نفسه من شدة السعال.

لم يكن أمامنا إلا أن نحاول مجدّداً إقناع السجان. توجهنا كلنا صوب الباب وبدأنا نصرخ، فلم يجب، ثم طرقنا الباب، ولم يجب، ثم صرخ آخرون من زنازين أخرى، ولم يجب، ثم طرقات من زنازين أخرى، ولم يجب، ثم بدأ الجميع (حوالي ألف أسير) يصرخ ويطرق... فسمعنا صفارة الإنذار.

أُعلنت حالة الطوارئ، انتشر العشرات من رجال القوات الخاصة على كل الأبواب والشبابيك والأسوار، قطعت الكهرباء وقطع الماء، أغلقت الأبواب والشبابيك من الخارج، وعمّ الصمت قلب صحراء النقب مرة أخرى.

ارتبك الجميع، فلا يمكن توقع الخطوة التالية، حتى أبو فريد هدأ.

لكن بعد دقائق مرت بثقلِ الغبار والخوف والصمت، بدأ أبو فريد يتقيأ دماً أسوداً شديد السواد، وبدأ يرتجف بشدة كأنه قد ذُبح للتو، لم تكد الطرقة الأولى تردد صداها، حتى ثارت المئات من الطرقات على حديد الأبواب مزلزلة صمت الصحراء.

لم تكن الرؤية ممكنة لعدة دقائق بعدها، وحتى بعد أن تطاير دخان الغاز لم نستطع فتح أعيننا، كان الجميع ملقى على الأرض، والسعلات تخرج من الصدور مخنوقة، سعلة بعد سعلة، وعندما استطعنا النهوض لم نجد أبا فريد.

عوقب كل الأسرى في سجن نفحة، قطعت عنهم الكهرباء لثلاثة أيام، ومُنعوا من الخروج إلى الساحات لمدة أسبوع، وحرموا من الزيارة لعامٍ كامل.

في أول زيارة بعد انقضاء العام علمنا أنّ "أبو فريد" قد مات.