انتخابات المتابعة والمحكمة العليا.../ المحامي علاء محاجنة

انتخابات المتابعة والمحكمة العليا.../ المحامي علاء محاجنة

تعيد قضية تأجيل انتخاب رئيس لجنة المتابعة العليا، بفعل قرارات المحاكم، للأذهان مشهد المعركة الانتخابية الأخيرة لرئاسة بلدية الناصرة؛ ففي كلتا الحالتين اقحمت المحاكم الإسرائيلية للتدخل المباشر والمكثف، لدرجة التأثير على العملية الانتخابية ذاتها وحتى على مستوى النتائج النهائية.

طبعا هنالك فروق وتباينات جوهرية بين الحالتين، والتي تجعل من هذه المقاربة غير واضحة للبعض، ومن أهم هذه التباينات، هو كون البلدية جسم تابع لوزارة الداخلية والحكم المحلي بشكل مباشر وبالتالي هو جزء من المؤسسة الإسرائيلية والنظام السياسي القائم بشكل بُنيوي. على عكس ذلك، يعتبر البعض، على أقل تقدير، أن لجنة المتابعة العليا هي جسم غير تابع، بل منفصل ومستقل عن النظام السياسي الإسرائيلي، وأقيم بالأساس ليكون الإطار السياسي الجامع للفلسطينيين في إسرائيل وفق رؤية سياسية واضحة من حيث تحديد العلاقة مع المؤسسة.

اقرأ أيضًا | التوصل لتفاهمات وخطيب يسحب التماسه بشأن انتخابات المتابعة

على الرغم من هذا الفرق الجوهري والمتعلق بطبيعة الهيئة موضوع الانتخابات، ففي كلتا الحالتين لجأت أطراف مشاركة معينة للمحاكم الإسرائيلية وصرفت أموالًا ضخمة على عملية التقاضي، وكل هذا بغية التأثير على مجرى الانتخابات وبالتالي على النتيجة (نجحت بذلك بقدر معين).

باعتقادي أن هذا السلوك، المتمثل باللجوء للمحاكم الإسرائيلية بما يتعلق بمواضيع تشكل صلب العمل السياسي لعرب الداخل، ليس مفهومًا ضمنًا وهو يثير العديد من المسائل التي يجدر التوقف عندها برهة، وخاصة في الحالة المتعلقة بانتخاب رئيس للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، لما لهذه الهيئة طابع خاص من حيث الاستقلالية المبتغاة عن النظام السياسي.

كان من المقرر أن تعقد جلسة لانتخاب رئيس لجنة المتابعة بتاريخ 26.8.15، وذلك بعد أن أقرت لجنة الانتخابات المنبثقة عن لجنة المتابعة أسماء المرشحين الذين استوفوا الشروط والمعايير، التي وضعتها هذه اللجنة (لن أتطرق هنا لهذه الشروط والمعايير وعن تحصينها داخل الدستور وتعميمها رغم وجود ما يقال أيضا حيال ذلك).

بطبيعة الحال، تم شطب أسماء مرشحين لم يستوفوا هذه الشروط والمعايير ومنهم المحامي عمران خطيب. فقبيل إجراء الانتخابات، توجه خطيب بطلب مستعجل للمحكمة العليا الإسرائيلية وطلب إصدار أمر منع ضد لجنة المتابعة ورئيسها المؤقت وضد سائر المرشحين، الذين تمت المصادقة عليهم من قبل لجنة الانتخابات، في طلبه أمام المحكمة احتج خطيب على شطب ترشيحه وادعى عدم قانونية المعايير التي تم شطب ترشيحه وفقها.

بالأساس كان الادعاء أن عملية الشطب، بناء على المعايير التي وضعت، تتعارض مع مبادئ منصوص عليها في القانون الإسرائيلي وبالأساس مع مبدأ المساواة وحرية المعلومات ومناليتها. رفضت العليا هذا الطلب على الفور دون أن تنظر به، وذلك لأسباب إجرائية بحتة متعلقة بموضوع الصلاحية. في أعقاب ذلك، توجه المحامي خطيب على الفور بطلب آخر للمحكمة المركزية في حيفا، واستطاع الحصول من خلالها على أمر منع مؤقت، شرط أن يتم إيداع مبلغ 100,000 شيكل بخزينة المحكمة. بعد ايداع المبلغ، دخل أمر المنع المؤقت حيز التنفيذ، وبفعله تم تأجيل جلسة الانتخابات المقررة لموعد غير محدد. لاحقا، وبعد سماع الأطراف، قامت المحكمة المركزية ذاتها بإبطال أمر المنع، من خلال قرار صدر بتاريخ 6.9.15، والذي اعتبر أنه لا يمكن مقاضاة لجنة المتابعة لأنها ليست 'جسم قانوني'، وفق مفاهيم القانون الاسرائيلي. بعد يومين من إصدار هذا القرار توجه المحامي خطيب من جديد باستئناف للمحكمة العليا ضد قرار المحكمة المركزية، ونجح مجددا بالحصول على أمر منع مؤقت ضد عقد جلسة انتخابات وذلك حتى اتخاذ قرار آخر بالقضية.

مجددا، أمرت المحكمة خطيب بإيداع مبلغ مالي ضخم كشرط لدخول أمر المنع المؤقت حيز التنفيذ.

لا تهدف هذه المقالة تقديم تحليل قانوني والدخول بحيثيات القضية، بقدر محاولة لتناول بعض الجوانب السياسية الناجمة عنها، والتي يثيرها موضوع تأجيل انتخاب رئيس لجنة المتابعة للجماهير العربية بفعل قرارات صادرة عن المحاكم الإسرائيلية من جهة، وانصياع لجنة المتابعة لهذه القرارات والتقيد بها من جهة أخرى. سرد الإجراءات القانونية بهذا التفصيل، لم يكن من باب الاستطالة وإنما بهدف تبيان الموارد والطاقات البشرية التي أهدرت وما زالت تهدر بغية منع إجراء الانتخابات.

الركيزة الأساسية التي استند عليها قرار المحكمة المركزية بردها الطلب الذي تقدم به المحامي خطيب، هو افتقاد لجنة المتابعة لأي صفة قانونية رسمية وفق القانون الإسرائيلي، وبالتالي تعذر كونها طرف مباشر لإجراء يمكن اتخاذ قرار قابل للتنفيذ ضده. في قرارها نوهت المحكمة أنه كان يجدر على مقدم الطلب بهذه الحالة ان يشمل بدعوته كل مركبات لجنة المتابعة (والتي يوجد لها صفة قانونية مثل الأحزاب) والأشخاص الأعضاء فيها حتى يكون أي قرار صادر ضدهم نافذًا. لائحة الدعوى التي تقدم بها خطيب اقتصرت على كل من رئيس لجنة المتابعة المؤقت السيد مازن غنايم وأيضًا ضد النائب مسعود غنايم، بصفته رئيس لجنة الانتخابات المنبثقة عن لجنة المتابعة، هذا بالإضافة للمرشحين الذين صودق على ترشيحهم لرئاسة اللجنة (غير مفهوم ماهية أمر المنع ضدهم). واضح إذًا، أنه حتى مع وجود أمر منع من قبل المحكمة، بالإمكان إجراء الانتخابات والمضي بها لو توفرت هناك نية حقيقية لدى الأطراف المسؤولة، واتخاذ قرار سياسي بهذا الاتجاه. التصريحات الصادرة بخصوص التأجيل لا تعطي أي تفسير للأسباب وراء هذا القرار وكأنه مفهوم ضمنا أن لجنة المتابعة يجب أن تقبل أي قرار بشأنها الداخلي (التعبير عن الأسف للجوء أحد المرشحين للمحاكم الإسرائيلية لا يعتبر بأي شكل تفسير لقرار التأجيل).

يبقى السؤال في هذه السياق، إذًا، لماذا هذا الانصياع 'الطوعي' لأمر منع لا يمكن تنفيذه، أصلا، وفق قرار المحكمة ذاتها؟ ما هي الرسالة السياسية من وراء هذا التصرف ولمن هي موجه بالأساس؟ هل سبق أصلًا قرار الانصياع هذا لقرارات محاكم تتدخل بشكل مباشر بشؤون لجنة المتابعة الداخلية ثمة نقاش حقيقي حوله؟ وإن كان مثل هذا النقاش قد حصل فعلا، هل تم التطرق للإسقاطات السياسية المباشرة لقرار الانصياع هذا؟ وما أقصده هنا ليس فقط من الناحية العملية المتمثلة بموعد إجراء الانتخابات وإنما على المستوى السياسي الأوسع، وبالأساس، بحقيقة رؤيتنا لماهية ووظيفة لجنة المتابعة وعلاقتها المباشرة بالمؤسسة الحاكمة وحدود هذا العلاقة وشكلها ومدى التدخل بقراراتها الداخلية.

الهدف من إثارة هذه التساؤلات هو، بالأساس، الوقوف والتمعن بقرار الانصياع لأمر المنع هذا، ولا سيما أن الحديث يدور عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل وهي التي كانت وراء إصدار وثيقة 'التصور المستقبلي' للعرب في الداخل سنة 2006. حدد هذا التصور شكل وماهية علاقة الفلسطينيين بدولة إسرائيل وفق تصور ورؤية مفادهما أن الفلسطينيين في إسرائيل هم أقلية أصلانية وجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية وأنهم تحولوا لأقلية داخل دولة إسرائيل بفعل مشروع صهيوني كولونيالي تهجيري وصل ذروته في نكبة 1948. إذًا، الفرضية الأساسية هي أن جميع مركبات وأعضاء لجنة المتابعة ترى وتوافق على مثل هذا التصور المستقبلي، وما يترتب على ذلك من ناحية المكانة الحقوقية والسياسية للفلسطينيين في الداخل، وبالتالي، اعتبار لجنة المتابعة إطارًا تنظيميًا سياسيًا جامعًا للفلسطينيين داخل إسرائيل، يهدف لبناء برنامج عملي شامل لتحقيق هذه الرؤية. وعليه، فإن مسألة استقلالية اللجنة من الناحية السياسية ومسالة حدود التدخل في شأنها الداخلي هو أمر ليس مفهوما ضمنًا. يعتبر تدخل المؤسسة الإسرائيلية من خلال قرار المنع، الذي تم إصداره ضد عملية انتخاب رئيس للجنة المتابعة مسًا مباشرًا بهذه الاستقلالية السياسية وبذلك هو سابقة خطيرة.

الخطاب الحقوقي الضيق، الذي سيطر على طلب أمر المنع، الذي تقدم به المحامي خطيب يؤكد ضرورة إثارة هذه التساؤلات، ويعزز المخاوف المترتبة على مثل هذه السابقة في التدخل بعمل لجنة المتابعة في المستقبل. المحامي خطيب تقدم بطلب مفاده أن لجنة المتابعة هي بمثابة 'جسم عمومي' وفق القانون الإسرائيلي، وبالتالي، يجب تطبيق مبادئ 'القانون الإداري الإسرائيلي' عليها، وعلى رأسها قيم المساواة والشفافية ومنالية المعلومات للجمهور العام.

في سبيل اقناع المحكمة بكون لجنة المتابعة 'جسم عمومي' لم يتردد خطيب في التنويه والتذكير بأن الحديث عن جسم مستقل، له موقعه وله أهميته في حياة العرب في إسرائيل من الناحية السياسة والاجتماعية. استعان خطيب بأمثلة حية من أجل توضيح مراده للمحكمة بذكره أن هذا الجسم يقف وراء إعلان الإضراب في المدارس وإعلان الإضراب بالمناسبات الوطنية والاحتجاج السياسي المنظم من خلال تنظيم المظاهرات وغيرها من النضالات السياسية، التي تخص العرب.

كانت هذه، وغيرها، أمثلة استعملت كوسيلة من أجل إقناع المحكمة بضرورة التدخل بالقضية وعدم ردها الدعوى لمجرد افتقاد اللجنة صفة رسمية وفق القانون الإسرائيلي. يثير هذا الخطاب مخاوف فعلًا حقيقية من حيث إمكانية تدخل المحاكم الإسرائيلية والحكومة الإسرائيلية بخطوات احتجاجية مستقبلية، يمكن أن يعلن عنها، مثل إعلان الإضراب أو أي احتجاج سياسي آخر.

بالتالي، فالتعامل مع مثل هذا التدخل بشؤون لجنة المتابعة الداخلية هو ليس أمرًا يدخل في إطار العلاقات العامة مع المحكمة وعدم الرغبة في إثارة غضبها، بل هو شأن يقع في صلب ماهيتها واستقلاليتها وبالتالي يجب أن يكون التعامل مع أمر المنع من هذا المنطلق.

الوصول لحل هذه المسألة بين لجنة المتابعة وبين المحامي خطيب بموجبه يتم شطب الدعوى وبالتالي بطلان أمر المنع، هو تطور إيجابي بمعنى أنه يمكن في هذه المرحلة من إجراء الانتخابات التي تم تأجيلها حتى الآن. طبعًا، كان من المفضل لو تم التوصل لاتفاق بين الأطراف قبل بدء الإجراءات القانونية المذكورة، لكن، بنفس الوقت، يمكن الاستفادة مما حدث بمعنى التنبه لضرورة إجراء التعديل المطلوب والذي يضمن إمكانية الاعتراض على إجراءات أو قرارات يتم اتخاذها من قبل اللجنة أو من قبل أي جهة منبثقة عنها الأمر الذي يقلل من الناحية النظرية، على الأقل، إمكانية تدخل المحاكم الإسرائيلية بشؤون اللجنة الداخلية. بنفس الوقت، لا يلغي الاتفاق هذا التساؤلات المطروحة.