جزيرة القدس/ رامي منصور

جزيرة القدس/ رامي منصور

تبدو مدينة القدس المحتلة وكأنها جزيرة معزولة عن محيطها الفلسطيني. وهذه العزلة ليست مجازية فقط، بل أن الاحتلال خنقها بجدران تفصلها عن محيطها الطبيعي وعن المدن الفلسطينية القريبة مثل رام الله وبيت لحم وعن ريفها.

وبالإضافة إلى العزلة الجغرافية الطبيعية، تسعى إسرائيل وبعض الأنظمة العربية إلى إحداث عزلة روحية أو حتى قومية بين الأقصى ومحيطه العربي، وما تصريحات أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، سعد الهلالي، الأخيرة التي دعا فيها إلى عدم جعل الدفاع عن المسجد الأقصى حربا دينية إلا دليل على ذلك، إذ قال إن 'المساجد لله، وأن الرسول صلى عليه وسلم مات والمسجد الأقصى كان في أيدي المسيحيين” وأن “الله حامي المسجد الأقصى، والرسول الكريم كان يصلي باتجاه بيت المقدس لمدة 17 شهرا رغم أنه لم يكن في حوزة المسلمين”.

وأضاف الأستاذ الأزهري المقرب من عبد الفتاح السيسي والذي شبهه بالرسل أن 'من يتحدث عن النخوة في الدفاع عن الأقصى يجب أن يتحدث الأول عن النخوة نحو الإنسانية”. وكأنه يقول أن للأقصى رب يحميه وكفى الله المسلمين شر القتال.

في ظل هذه العزلة، تحولت المدينة المقدسة إلى حقل تجارب واختبار من قبل الاحتلال بهدف تغيير ما يسمى “الوضع القائم” في كل ما يتعلق بالقدس وبالمسجد الأقصى تحديدا. فتغيير الوضع القائم من جهة إسرائيل يجري بوتيرة “بطيئة” ولكن ثابتة، وذلك تحسبا لردة فعل تصعيدية من أهالي القدس. وما جرى في الأيام الأخيرة وتحديدا في رأس السنة العبرية، لم يكن مجرد تصعيد أو تصعيد عادي أو متوقع، بل كان بالون اختبار أو “ترموستات”  أو “جس نبض” للتصعيد في تقسيم المسجد الأقصى مكانيا وزمانيا وإجراء تغيير جذري في الوضع القائم. 

وتروج حكومة إسرائيل للحكومات العربية بأنها مصرة على الحفاظ على الوضع القائم في القدس وأن ليس لها مصلحة لتغييره، وتوحي بأن من يقوم بالتصعيد والاستفزاز في الأقصى ومحيطه هي جمعيات استيطانية متطرفة يجري لجمها وردعها. ولكن هذا الادعاء كاذب وباطل، إذ إن كافة النشاطات الاستيطانية في البلدة القديمة في القدس وخارجها تجري إما بدعم أو بمبادرة حكومات إسرائيل المتعاقبة. وما جرى في الأسبوع الماضي لم يكن خارج هذا السياق، ولم تكن زيارات استفزازية لمجموعات يهودية متطرفة هامشية، بل أن أول من اقتحم المسجد الأقصى عشية رأس السنة العبرية  كان وزير الزراعة من حزب “البيت اليهودي”، أوري أريئيل.

وكل من يتابع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في الفترة الأخيرة يدرك جيدا أن إسرائيل قررت تغيير الوضع القائم الذي يميل لصالحها في الأساس. ولكن هذه المرة ليس من خلال بناء استيطاني جديد هنا أو هناك، بل بتخصيص مكان لأداء الشعائر الدينية اليهودية داخل باحات الأقصى وتحديدا عند باب الرحمة، وهذه سابقة، إذ منعت سلطات الاحتلال من مقتحمي الأقصى من أداء شعائر دينية.

وهنا تجب الإشارة إلى أن حكومة إسرائيل تدرك أن الفلسطينيين والمسلمين عموما لن يقبلوا بتقسيم الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي، لكن فرض الأمر الواقع لن يبقي أمامهم إلا خيارين، إما التسليم به أو التصعيد وحينها ستغلق أمام المسلمين أبواب المسجد الأقصى ليصبح فريسة للمستوطنين وليجري تهويده.

لكن في المقابل، ليس كل ما تخطط له إسرائيل ينجز بسهولة، فهي مثلا لم تتوقع ردة فعل الشباب المقدسي بتحويل المدينة إلى ساحة اشتباك مشتعلة، كما لم تتوقع الدور الأساسي لـ”مواطنيها” العرب في الرباط في الأقصى والدفاع عنه. والتعويل على هذين الدورين أمر صحيح لكن ليس للمدى البعيد. لأن الاحتلال أدرك أن تواجد المصلين من الداخل أصبح مدعاة تصعيد، لذا باشر بإفراغ المسجد من المصلين في الفترة التي يسمح لليهود بدخول باحات الأقصى، بالإضافة إلى أوامر إبعادهم عن المدينة. ويتوقع أهالي القدس أن يقوم الاحتلال بالفترة القريبة بإبعاد الصحافيين العرب أيضا للتعتيم على ما يحصل بالمسجد، وهو ما قامت به خلال الأسبوع الماضي عندما استهدفت عدة مصورين وصحافيين وصارت تنكل بهم وتصدر لهم مخالفات السير. وكل ذلك يؤشر إلى أن حكومة إسرائيل ذاهبة إلى التصعيد في الأقصى في ظل انشغال العالم العربي بقضاياه الداخلية.

كما أن قرار بنيامين نتنياهو السماح لأفراد الشرطة باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين في القدس والداخل أيضا هو تصعيد، لأنه يسعى إلى قمع المظاهرات في القدس بالنار والدم ويرى في ذلك فرضا للسيادة الإسرائيلية، وهو يدرك أن سقوط شهيد لن يردع الشباب المقدسيين بل سيزيد من الاشتباك والتصعيد ولن يبقي الجزء الغربي/ الإسرائيلي من المدينة آمنا بعيدا عما يحصل في الجزء الشرقي. وما مصلحة نتنياهو في التصعيد؟ يدرك نتنياهو أن التصعيد هو فرصة مواتية لتنفيذ مخططاته سواء بالتطهير العرقي والإبعاد أو ضرب ما تبقى من حركة وطنية في القدس، ولأنه يعلم أن في الوقت الراهن ليس هناك من يساند المقدسيين في مواجهاتهم مع الاحتلال.

وإزاء هذا التصعيد يجب التشديد على أن قضية القدس والأقصى ليست قضية إسلامية كما يطيب لمعظمنا الادعاء، بل يتوجب على القيادة الفلسطينية تدويلها لأن القدس والأقصى يقعان تحت احتلال استعماري/ إحلالي يسعى لتغيير الواقع ويقوم بتدمير المجتمع المقدسي من خلال تدمير شروط الحياة، سواء الصحية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فحول حياة المقدسي إلى حياة بؤس وهمه لا يتعدى توفير مقومات الحياة الأسياسية ولا يقوى وحده على مواجهة الاحتلال.

وليس بمقدور القيادة الفلسطينية بما فيها حركة حماس خوض هذه المعركة من دون سند عربي وفي مقدمته مصر والسعودية والأردن، لكن يبدو أن أولوليات مصر والسعودية مختلفة وهم السيسي هو تعزيز العلاقات مع إسرائيل في ما يسميه “الحرب على الإرهاب”، والمؤشر على ذلك تصريحات الأستاذ الأزهري التي ذكرتها أعلاه.

أمام هذا الواقع، يبقى تعزيز صمود المقدسيين هو الأولوية في هذه المرحلة، وذلك من خلال التواجد المكثف في القدس وأسواقها ومسجدها، وعيد الأضحى على بعد أيام وهو فرصة مواتية لنا في الداخل بأن “نغزو” القدس لنبعث رسالة مدوية للاحتلال بأن للأقصى شعب يحميه. 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018