لحية ياسر عرفات/ صقر أبو فخر

لحية ياسر عرفات/ صقر أبو فخر

اشتهر ياسر عرفات بألاعيبه اللغوية اللطيفة. وهذه الألاعيب يمكن إدراجها في باب حسن التخلص من المواقف المفاجئة. وعلى سبيل المثال، حين وصل إلى باريس في سنة 1989، في أول زيارة رسمية له إلى فرنسا، التقى الرئيس فرانسوا ميتران في الإليزيه، ثم أعلن، في مؤتمر صحافي، أن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح c’est caduc، أي متقادما. فسأله صحافي فرنسي: ماذا تعني بكلمة "كادوك"؟ فأجابه أبو عمار ساخراً وباللهجة المصرية: الله، صحافي فرنسي وعاوزني أشرح لك معنى كلمة "كادوك"!. وفي اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي نُقل إلى جنيف، في سنة 1988، في إجراء غير مسبوق للاستماع إليه، بعدما رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول، طلب ريتشارد مورفي من كلوفيس مقصود أن يُبلغ إلى عرفات أن الإدارة الأميركية مستعدة للحوار معه، إذا دان الإرهاب. وبالفعل، أعلن أبو عمار في ذلك الخطاب: I renounce terrorism (أنا أتخلى عن الإرهاب)، فقال له بعضهم، غلط، يجب أن تقول denounce، وليس renounce. فرد على الفور: I denounce tourism، أي أنا أدين السياحة، وضحك الجميع.

ليست زلات اللسان، بحسب التحليل النفسي الفرويدي، مجرد أغلاط عابرة، بل هي أحد مخارج الوعي الباطن للتعبير عمّا يجول فيه. ففي سنة 1994، توجه ياسر عرفات إلى جنوب إفريقيا، واستقبله نيلسون مانديلا استقبال الأبطال. وحين زار مسجد جوهانسبرغ، ألقى خطبة دعا فيها إلى الجهاد وتحرير القدس، ووصف اتفاق أوسلو بأنه مثل صلح الحديبية الذي وقعه النبي محمد مع قريش. فثارت ثائرة يتسحاق رابين، وقال: "لم يصل إلى هنا بعدُ، وها هو يتحدث عن الجهاد". ولم يطل الأمر كثيرا حتى وصل أبو عمار بالفعل إلى غزة. وفي مهرجان في ملعب اليرموك، خطب قائلا: "هذه هي المرة الأولى التي نحتفل باستقلالنا على أرضنا الفلسطينية المحرّرة. سوف نحتفل مستقبلا على أراض فلسطينية أخرى يتم تحريرها من العدو الصهيوني". فلفته بعض مستشاريه إلى التوقف عن استخدام عبارة "العدو الصهيوني"، والاكتفاء بكلمة "إسرائيل".

كان مناحيم بيغن يقول عن عرفات: "هذا الذي لا يحلق لحيته". وعندما أُصيب بيغن بالكآبة، جراء ما حلّ بجيشه وبسياسته في لبنان بعد غزو 1982 ومقتل رجلهم بشير الجميل، وموت زوجته عليزا، استقال من رئاسة الحكومة في سنة 1983، وانعزل في مصح للأمراض النفسية بالقرب من بلدة دير ياسين المشهورة. حينذاك سخر عرفات من أحواله بالقول: "إن مناحيم بيغن سحب جيشه من معظم الأراضي اللبنانية، واضطر إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة، وما عاد يحلق ذقنه. أما أنا فأُطلق لحيتي كما يحلو لي، وأحلقها عندما يحلو لي". وكادت لحية أبو عمار تسبب نكدا؛ ففي 1974، قبيل ذهابه إلى الأمم المتحدة، وحين انتهى الجميع من صوغ خطبته المشهورة التي ساهم في تدبيج سطورها وليد الخالدي ومحمود درويش وشفيق الحوت ونبيل شعث وصلاح الدباغ، وبعدما أُنهك لكثرة المرات التي أعاد فيها قراءة خطبته، سأل: هل انتهينا أخيرا؟ فأجابه وليد الخالدي: لا، بقي أمر واحد مهم. فقال عرفات متبرما: ما هو؟ فأجابه الخالدي: لحيتك. يجب أن تحلق لحيتك، قبل صعودك إلى منبر الأمم المتحدة. فرفض أبو عمار هذا الاقتراح. وبعد مجادلة في هذه المسألة، قال له الخالدي: طيب، ما رأيك أن نسأل النساء؟ وكانت سلمى النجار، وهي زوجة صلاح الدباغ، موجودة في الاجتماع المنعقد في منزلها، فأجابت: بالطبع، بلا لحية أجمل. وهكذا، حلق ياسر عرفات لحيته راضياً مرضياً.

الحقيقة أن إسرائيل حلقت لحى عربٍ كثيرين، ولا سيما من الفلسطينيين، لهذا نبتت لحى الإرهابيين في كل مكان، وطالت كثيرا حتى باتت إزالتها تقارب المحال. 

 

المصدر: العربي الجديد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018