تمّ ولم ينته../ إبراهيم غطاس

تمّ ولم ينته../ إبراهيم غطاس

نحن فرحون بعودة أبنائنا فلذات أكبادنا للمدارس، ولكن ينغّص على هذا الشعور والإحساس بالمرارة من عدم تحصيلنا لكامل حقوقنا، وشعور البعض، ومنهم أنا، أننا لم نستنفذ كامل وسائل الاحتجاج، ولم نترجم الدعم الجماهيري الواسع للقضية، ولم نحصّل أكثر، وعليه يوجّه البعض غضبهم وإحباطهم للأمانة وآخرين للمديرين والمدرسين. ولكن هناك بون شاسع بين الاجتهاد والنقاش الموضوعي البنّاء وتحليل الواقع وبين نعتهم بالانتهازيين، هؤلاء الذين نضع أبناءنا بين أيديهم وهؤلاء الذين ندين لهم بدين تربوي رفيع المستوى مداه مئات السنين. فهم الذي يحتّم علينا واجبنا حمايتهم ودعمهم ودعم نضالهم، وليس وضعهم في خانة الدفاع عن نفسهم وتخوينهم.

دائمًا وأبدًا سياسة الدولة كانت فرّق تسد، وأبدًا لم أعوّل على نوايا السلطة الحسنة، ولكني استمد قوتي من الثقة التي تراكمت لدي من وعي شعبنا على مدار النضال ومن قبله، وللنضال تتمة. وفي اليوم الذي سأفقد هذه الثقة سأفقد ثقتي بجدوى أي النضال.

فلنضع النقاط على الحروف

ليس لدينا بدائل عن هذه المدارس. وأقولها بالفم المليان. أبعث ابني للمدرسة الأهلية ليس لكونها تعطي أكثر من حيث الخدمات، فالمدارس الحكومية تعطى خدمات أكثر، ولكن لكون المدارس الأهلية تعطي رسالة تربوية وأجواء تنافسية لا نلمسها في أغلبية المدارس الحكومية، وتُترجم بالإنجازات التي يحصِّلها طلابنا.

لست مدافعًا عن الأمانة، ولكن لنسأل هذا السؤال: هل تضع الأمانة نصب أعينها مصلحة الطلّاب؟ والجواب عندي بدون أدنى شك نعم! قي الوقت الذي تنعدم هذه المسؤولية عند وزارة المعارف والدولة، وهذا ما بات يعيه كل طالب وكل الأهالي، رغم اجتهادي على أسلوب النضال وأدواته، ولكن تحميل الأمانة مسؤولية النتائج خارج السياق السياسي للدولة، فهو افتراء، فما لا يقوله أحد ولا يركّز عليه هو أين مسؤولية الدولة من مصلحة الطلاب؟ ولكن في نفس الوقت هل نوايا الأمانة النبيلة تعفيها من النقد البنّاء وتعصمها عن الخطأ، والجواب أيضًا طبعًا لا.

عندما نقول دولة عنصرية، تعاملنا كغرباء رغم أننا في وطننا وعلى أرضنا، يهاجمنا المغرضون بأننا نعيش في دولة ديمقراطية بها مساحة من الحريّات (فواقعنا يفسد عليهم جنّتهم من الفتات). ولكن عندما نريد أن نمارس ديمقراطيتهم بالمطالبة ببديهيات الحقوق، نواجَه بالتّعنّت والترهيب والتخويف.

لا تهاجموا الأمانة فنحن في سفينة واحدة رغم اختلافنا على الآليات، لا تمسّوا بالمدرسّين فهم مربي أولادكم.

فلنلخّص ماذا حصّلنا:

أولًا: جيل يعي أن استعمال وسائل الاحتجاج في سبيل تحصيل حقوقه حق واجب ممارسته ضد نظام عنصري!

ثانيًا: فُضحت ممارسات الدولة العنصرية وزاد الوعي السياسي للشعب لهذه الممارسات!

ثالثًا: زادت لحمة شعبنا وتماسك مجتمعنا وأُفشُلت مشاريع التجنيد في قرانا ومدننا!

رابعًا: رفعت قضية التعليم في الوسط العربي بشكل عام ومدارسنا الأهلية بشكل خاص للرأي العام المحلي والقطري والعالمي.

خامسًا: وتبعًا للبند الأول فقد بات لنا ثقة أكبر بقدرتنا على تحصيل حقوقنا بالمستقبل وواجبنا بذلك تجاه أبنائنا لنبني لهم مستقبل أفضل.

إذا.. هل نجح الإضراب؟

إذا كان هدف الإضراب منع إغلاق المدارس الأهلية أو سيطرة الدولة عليها، فالجواب نعم، ولو لبعد حين!

إذا كان الهدف مواجهة سياسة دس الفرقة بين المدارس والأهالي، عن طريق منع المدارس من جباية الرسوم من ناحية ومن ناحية أخرى عدم تعويض المدارس بالميزانيات؟! فالجواب نعم! وواجبنا أن نحافظ على هذا الإنجاز وعلى دعم الأهالي لمطالب المدارس فالمعركة لم تنته.

إذا كان الهدف تحصيل كامل الحقوق، فهذا مستحيل ضمن النضال المدني محدود السقف وخارج السياق السياسي.

 ابدًا، كجمهور وكنشطاء وكسياسيين، لم نرد أن نحمّل المدارس وزر وأثقال الصراع القومي في البلاد، وأتحنا للأمانة كامل المساحة وحيّز العمل، لا بل وأضف إلى ذلك عملنا على تماسك الجماهير خلفهم وتقوية الدعم للقضية ولعدالتها، وإن سمحت لنفسي تحليليًا أن اتمادى، فقد كنّا بتعنتنا ورقة مفاوضات رابحة بيد الأمانة إن أحسنت استعمالها، ولكن لا يمكن تجريد القضية من سياقها السياسي، قد أقبل النضال المدني تكتيكيًا، ولكن أرفض فض الرباط السياسي لدى الوعي الجماهيري إستراتيجيًا.

في دولة تعتبر نفسها دولة اليهود وتعتبرنا، نحن أصحاب الأرض، غرباء، تحتل شعبنا وتمارس الاحتلال عن طريق تغذية وتعبئة شعبها بالكراهية والعنصرية والتخويف لتحشدهم، ما لم يغيّر النظام العنصري لنظام ديمقراطي حقيقي وتتحوّل لدولة مواطنين بحسب الدستور والقانون (وليس شعارات)، وما لم تحفظ حقوق الأقلية العربية الفلسطينية بالقانون والدستور من بطش الأغلبية (مطالبنا وحقنا بمسارح ومدارس ومؤسسات مستقلة ونسبة محفوظة من الميزانيات) فلن نحصّل كامل حقوقنا، وسنبقى نقتات من الفتات وسنبقى نجزئ حقوقنا ونهجّن نضالنا.

علينا أن نوجّه اللوم لصاحب المسؤولية، لصاحب القرار، للدولة ووزارة المعارف والحكومة فهم المسؤولون عن الغبن التاريخي، ولنضع النضال في سياقه السياسي، ولنحافظ على إنجازاتنا ووحدتنا فللنضال بقية.

يأتي الآن أن نقول ما قيل، ولم يركّز عليه أو امتنعنا عنه في سياق النضال وحفاظًا عليه: أين دور الأهالي في اتخاذ القرار في المدارس الأهلية؟ ألم يحن الأوان لبناء لجان أولياء أمور

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018