هزيمة أوسلو: الحلبي نقطة تحوّل/ رازي نابلسي

هزيمة أوسلو: الحلبي نقطة تحوّل/ رازي نابلسي

أحيانًا، يكون تأريخ اندلاع الهبة الشعبية أو الانتفاضة، أمرًا في غاية الأهمية، ليس لأجل حفظ التواريخ وإحياء ذكراها في السنوات المقبلة فقط، بل لمعرفة النقطة الزمنية والفعل المحدّد الذي جعل التراكمات والأحداث تنفجر وتخرج من منطق رد الفعل على الممارسات، إلى الفعل ذاته بلا أي علاقة لممارسات الآخر الآنية. أو بكلمات أخرى، اللحظة التي تحوّل فيها المقاوم من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم والمبادرة. وفي حالتنا: هي اللحظة التي تحوّل فيها الفلسطيني من موقع المتواجد في الحرم المقدسي للدفاع عنه والتصدّي للمستوطنين، إلى موقع الهجوم على المستعمر في كافة نقاط التماس. هي اللحظة التي لا يمكن للاحتلال استدراكها ولا بأي شكل من الأشكال، حيث استمر الطعن مع إغلاق المدن، ولو منع الاحتلال مستوطنيه من اقتحام الأقصى لاستمرت العملية. 

إذًا، فلا بد من تأريخ هذه الهبة الشعبية بهدف فهم نقطة التحوّل، ووضع اليد عليها وتحديدها، وهذه اللحظة، برأيي، كانت العملية التي نفذها الشهيد مهند شفيق الحلبي، ابن مدينة البيرة البالغ من العمر ١٩ عامًا، والتي استطاع الحلبي خلالها قتل مستوطنين اثنين وإصابة الثالث بجروح خطيرة بتاريخ ٣ تشرين الأول/ أكتوبر، وتوالت بعدها عمليات الطعن التي استقبلها الاحتلال بالإعدامات الميدانية وفشل وما زال يفشل في إيقاف هذه الهبة التي أطلقها الشهيد الحلبي.

تأريخ هذه الهبة بعملية الحلبي، يضعنا أمام نقطتين أساسيتين مكملتين، وجب التعامل معها في هذه الهبة الشعبية: الأول، هو ما وصف بـ“العملية الناجحة” التي شكلت نموذجًا على الرغم من أن سقوط كل قطرة دم فلسطينية هي خسارة. والثاني، هو الجاهزية لتبنّي النموذج بصورة سريعة جدًا والاستمرار في المحاولة لتكرير النموذج حتى بعد فشل بعض العمليات.

إن انطلاق الهبة الشعبية بصورتها الحالية وأداتها التي تشكّل سكينًا بعد أن نجحت عملية الحلبي، يدل إن دل، على أن الفرد الفلسطيني، في القدس أو الضفة أو الداخل كان منذ ما قبل اندلاع الهبة، أو خلال فترة اعتداءات الاحتلال على مقدّساته التي في مقدّمتها هو ذاته، يمضي باحثًا عن الطريقة الأمثل للتخلّص أولًا من العجز والهزيمة التي مثلتها المرحلة الأوسلوية. وثانيًا، من إفرازات هذه المرحلة على حياته اليومية متمثلة بإذلاله بشكل شبه يوميّ وفي مقدّمتها عجزه الذي أراد التخلّص منه أولًا. فكانت العملية الناجحة نموذجًا تبنّاه سريعًا وأراد تطبيقه على الرغم من الإعدام الحتميّ، ممّا يضعنا أمام حقيقة لا مناص منها، ألا وهي أن الفلسطيني كفرد ومجتمع، لم يكن خلال السنوات الماضية منتظرًا لنتائج المحافل الدولية التي لجأت إليها القيادة الفلسطينية في رام الله، بل كان ينتظر نموذجًا مقاومًا يستطيع من خلاله إعدام ثقافة وهوية الهزيمة التي لم تكن إلّا غطاء لمزيد من الاستيطان والتطرّف وانتهاك الحقوق الفردية والجماعية وتغيير الوضع القائم ورسم آخر يتلاءم مع طموحه الاستعماري.

وممّا يعود ليؤكد على أن العامل المهم في لحظة الانفجار هو ذاتي، وله أهميته التي وجب أخذها بعين الاعتبار واستثمارها إيجابيًا للتأكيد على أن ثقافة الهزيمة التي بثّتها أوسلو هي المستهدف الأول خلال هذه الهبة، هو وتيرة تصاعد الأحداث منذ أن قام إرهابيون يهود بإعدام عائلة دوابشة، إذ أخذت وتيرة العمليات ضد قوّات الاحتلال ومستوطنيه ترتفع في الضفة الغربية بصورة كبيرة، إذ سجّل في الضفة الغربية إصابة ١٢ إسرائيليا بجراح إثر عمليات مختلفة، ليشكّل ذلك ارتفاعاً بنسبة ٤٠٠٪، وارتفاعًا بنسبة ٨٠٪ في العمليات المسجّلة، أي ١١٧ عملية خلال شهر آب/أغسطس، ولم ترتق لمستوى هبّة إلّا بعد عملية الطعن التي نفذها الحلبي.

اقرأ أيضًا: قصة بقلم الشهيد مهند حلبي منفذ عملية القدس

وفي العودة إلى الانتفاضة الأولى، التي يذهب الكثيرون لتشبيه الهبة الشعبية الحالية بها، نرى أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وفي أول بيان صدر عنها في العام ١٩٨٧، أعلنت الانتفاضة حين وصفت الهبة الشعبية التي اجتاحت البلاد من خلال استعمال المصطلح. وفي استعمال “حماس” له في المرة الأولى دليل على أن أي هبة شعبية تشتعل تحتاج قيادة تحملها إلى مرحلة أكثر تطوّرًا، وأكثر تنظيمًا لضمان استمرارها، فالاستناد إلى التنظيم الشعبي الذاتي لا يمكن أن يدوم طويلًا بلا قيادة مركزية. وفلسطين، تعاني في هذه الفترة ليس فقط من غياب قيادة تستثمر التحرّك لتجذير ثقافة المقاومة التي خرج الحلبي منتفضًا لأجلها بمبادرة فردية، بل تعاني أيضًا من قيادة تحاول استثمار الهبة الشعبية لتحسين شروط التفاوض وإيصال رسالة للاحتلال مفادها أن هذه القيادة لا تزال قادرة على ضمان أمنه، أو تدهوره في ذات الوقت.

وبحسب مصادر مطّلعة، فإن قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، طلبت من قيادات في لجنة المتابعة بالداخل الفلسطيني، أن تساهم في تهدئة الأوضاع في البلدات العربية لتأثيرها على مجريات الأمور في الضفة الغربية. وقالت مصادر مطّلعة أخرى إن السلطة وأجهزتها الأمنية ابتعدت بداية الهبة عن قمع النشاط الاحتجاجي ضد الاحتلال لاستغلاله في مسارها السياسي غير الموجود، أو بشكل أدّق أرادت استثماره لإعادة العملية السياسية التفاوضية ما بينها وبين الاحتلال، وهذا ما يتعارض أساسًا مع الهبة الشعبية ولحظة انفجارها، ممّا يجعل من ارتقاء الهبة الشعبية إلى مرحلة انتفاضة شاملة أصعب من حالة لا يوجد فيها قيادة، وطبعًا أصعب من حالة فيها قيادة جذرية مقاومة.

مؤشر لحظة الانفجار، له أهميته الخاصة في معرفة نبض الشارع وما يدور فيه خارج أروقة الإعلام والاجتماعات، معرفة ما يفكر به الفلسطيني، والأسباب البعيدة لهذه الهبة مهمة ولكنها دائمة، دائمة من حيث الاعتداءات المستمرة على الإنسان والأرض والمقدّسات لسبب واحد رئيسي هو جوهر الفكرة والمؤسسة الاستعمارية الصهيونية، التي لا يمكن الوصول معها إلى أي حل من خلال العمل السياسي.

ولمعرفة عقلية المستوطن، الذي أخذ ينمو ويتفاخر في القتل والانفلات، وجب العودة إلى مقال نشره المحلّل السياسي في القناة الإسرائيلية العاشرة، رفيف دروكر، تحت عنوان “هناك شريك، ولا قوّة”، وقال فيه إن الشارع الإسرائيلي كان أكثر قابلية لتقديم تنازلات وأكثر تقبلًا وتعطشًا للسلام مع الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية، وفي ذات الفترة التي كان خلالها يشهد تطاير أسقف الحافلات وسط تل أبيب، مستندًا إلى استطلاعات رأي أجرتها الحكومة الإسرائيلية في خضم حكم أريئيل شارون قبيل الانسحاب من غزة. إذًا فلا بد من القول إن فلسطين فعلًا أمام مفترق طرق، هزيمة الهزيمة وثقافتها أولًا واستثمار الحالة في ترميم المقاومة كفكرة وهوية.

وقد يحتاج السبب الرئيسي الذي انتفض لأجله مهند الحلبي بعض الوقت بسبب الحالة الاقتصادية والسياسية في المجتمع الفلسطيني بالضفة الغربية خاصة، إلّا أنه يبقى تحديًا أمام النخب الفلسطينية التي لم تلوّث ذاتها بنيويًا في النظام السياسي الفلسطيني القائم اليوم، لاستثمار الحالة بهدف هزيمة الثقافة التي بثّتها أوسلو.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018