لن نعود للوراء../ ممدوح إغبارية

لن نعود للوراء../ ممدوح إغبارية

ستطغى النقاشات الفكرية على السطح حول تسمية ما حصل ويحصل في الأشهر الأخيرة، "انتفاضة ثالثة" أو "هبة" أو "احتجاجات شعبية عفوية" أو "تنفيسة غضب". وقد شهد المجتمع الفلسطيني في الداخل والقدس والضفة وغزة عدة هبات وانتفاضات منذ نشأت القضية الفلسطينية، وقد يسأل من عبر انتفاضتين مثلا، ماذا بعد؟

مقالي لا يناقش تسمية الأحداث فهذا أقل أهمية برأيي، لكنه محاولة متواضعة للإشارة لملامح الفترة المقبلة، وكيف نخرج منها نحن هذا الجزء الحي من الشعب الفلسطيني، عرب 48، محققين إنجازات على المستوى العملي، خصوصا بعد النقاش الدائر حول دور عرب 48 تحديدا بعد العملية الاستشهادية في بئر السبع.

 تنبع أهمية هذا التوجه لما يحويه من محاولة للإجابة على تطلعات أبناء شعبنا في ظل الواقع "الشعاراتي" عند بعض القيادة والشباب (مثلا هناك من ينظر لانتفاضة ثالثة وبلده الام تنهشها الأسرلة)، حتى يرتقي أداء وكلاء التغيير وهم كثر (الأحزاب والسلطات المحلية وأجهزتها المتفرعة والقائمة المشتركة ولجنة المتابعة ومؤسسات المجتمع المدني) بما يتناسب مع حجم التضحيات الغالية التي قدمها الشعب الفلسطيني من شهداء ومعتقلين وجهوزية كفاحية للخروج والتظاهر والدفاع عن القدس والأقصى.

أولا، توسيع هامش الملاحقة والمقاطعة الدولية لإسرائيل. إذًا، إخوتي ماذا يكلف ماديا وتنظيميا أن يفتتح وكلاء التغيير مكاتب قريبة من مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل، ومقر الأمم المتحدة في نيويورك، ولاهاي مقر المحاكم الدولية، والدول المناصرة للقضية الفلسطينية، والدول العربية المركزية، لأجل متابعة قضايا عرب 48 وتدويلها، قياسا بمستوى التضحيات والأهمية الإستراتيجية؟ لا يكلف شيئا. بناءا عليه، حالا يجب أن يُكاتب وكلاء التغيير، الهيئات والمؤسسات والسفارات الدولية، ورؤساء الدول المناصرة للقضية الفلسطينية، وهنا أرجوكم قيادتنا الأجلاء بأن تنأوا بالقضية الفلسطينية عن الاصطفافات والمحاور الإقليمية. وهنا أذكر موقف عايدة توما المؤسف عند زيارة أردوغان، لأن قضية فلسطين قضية عادلة وقضية تحرر وطني وبحاجة لتضامن الجميع.

ثانيا، الاستمرار والفعل والابتعاد عن ردة الفعل والحفاظ على عنصر المبادأة. كان الإضراب العام والمظاهرة في سخنين خطوة موفقة وحظيت بتأييد واسع، وعبرت عن الشعب حسب ما أجمع كل المراقبين. على وكلاء التغيير الحفاظ على استمرارية الحراك ضد ممارسات الاحتلال والاستمرار في إرباك إسرائيل وإحراج ديمقراطيتها. تساعد ثقافة المبادأة والمبادرة على منع مجانية المورد البشري وتضحياته وتضعه ضمن خطة إستراتيجية ورؤية بعيدة المدى.

ثالثا، التخلص من الهوس الثوري الذي يدخل كل إسرائيل في دائرة الاستهداف. لتتركز أهداف الأحداث بتسليط الضوء على المستوطنين والمستوطنات وممارساتهم الجنونية وغير القانونية في القدس والأقصى وأراضي الضفة. لذا يجب أن تكون أحد أهداف الاحتجاجات الرئيسية وقف بناء المستوطنات، وما يترتب عن ذلك من تداعيات خصوصا الاعتداءات على المقدسات والأقصى الشريف والحجر والبشر. أعتقد أنه غير معقول وغير موضوعي وغير منصف محاولة تحميل الأحداث الجارية مهمة إحقاق كل الثوابت الوطنية بتحرير فلسطين وإعادة اللاجئين مرة واحدة ولكن من الأهمية تحديد هدف قياسي على المدى البعيد والقريب وواقعي. هذا شيء ممكن أن نقدمه التحاما مع شعبنا في الضفة وهذا أضعف الإيمان.

رابعا، تعزيز الخلفية الشعبية السلمية للاحتجاجات. لست في صدد تحديد سيرورة الاحتجاج عند الشباب المقهور بين عرب الداخل وقد يختار أحد طريقة على قياسه، ولكن ليس من خلف شاشة الحاسوب أملك الحق الأخلاقي بتحديد سقف المحتجين الذين خرجوا وأرواحهم على كفهم للدفاع عن الأقصى والقدس في بلدان عربية عديدة.

هنا تجدر الإشارة إلى ما وددت قوله والتأكيد عليه بأن حركات المقاومة والاحتجاج السلمي التي هدفت لطرد الاحتلال وتحصيل الحقوق الجماعية القومية وانتزاع حق تقرير المصير أثبتت نجاعتها على مدار التاريخ، مثلا في مدغشقر 2002 وصربيا 2000 وأوكرانيا 2004 ونيبال 2005 والأكراد في تركيا والكويبك في كندا والباسك في إسبانيا أكثر بكثير من حركات الاحتجاج العنيف التي رفعت الأهداف ذاتها. يعود ذلك إلى أن الحملات السلمية الشعبية عادةً ما يشارك فيها فئات وأعداد عديدة ومتنوعة ومن كل الأطياف أكثر من الجمهور الذي قد يلجأ إلى إمكانية الاحتجاج العنيف. لذا على مشروعنا التحرري نحن عرب الداخل أن يكون سلميا شعبيا أي أن يقوم به معظم الشعب، فعلى الاحتجاجات أن لا تختزل في فئة معينة أو جيل معين، بل أن تكون من كل الناس، وهذا يتطلب نفس طويل.

خامسا، الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيزها. لن أطلق كليشهات عن أهمية ترتيب الوضع الداخلي وتعزيز وحدتنا الوطنية الفلسطينية في ظل الوحدة الميدانية في الشارع والقدس. ولكنني أهيب بجماهيرنا ووكلاء التغيير أن يعوا حساسية المرحلة والتصرف بمسؤولية وطنية وشكل وحدوي دون بهلوانية وفردانية. النقاش والحوار صحي ومطلوب ولكن دون إلغاء متبادل وتمترس خلف المعتقدات الجامدة فالحياة والنضال يتطور كل لحظة وجدير باعادة النظر دائما. وكلاء التغيير مطالبون بقطع الطريق أمام المؤسسة الإسرائيلية التي تحاول تقسيمنا إلى "متطرفين " و"معتدلين". تلك الطريقة القديمة الجديدة التي تنتهجها المؤسسة ضد كل من يختلف معها لتستفرد بالناس والتيارات السياسية، مثل الحركة الإسلامية مؤخرا.

أخيرا، أعتقد أن الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة ومؤثرة في مسيرة القضية الفلسطينية وعرب الداخل بالذات. سنشهد أحداثا سياسية وميدانية كثيرة وربما ستفاجئ الكثيرين وهنا كان لا بد من التأكيد على النقاط السابقة عسى أن يرتقي أداء وكلاء التغيير (الأحزاب والسلطات المحلية وأجهزتها المتفرعة والقائمة المشتركة ولجنة المتابعة ومؤسسات المجتمع المدني) لمستوى تضحيات وطموحات الشعب الفلسطيني العظيم، كي نردد متيقنين "لن نعود للوراء".