أزمة في العلاقات الفلسطينية الأردنية../ هاني المصري

أزمة في العلاقات الفلسطينية الأردنية../ هاني المصري

كشفت الخلافات الأردنية الفلسطينية العلنية حول تقييم التفاهمات التي أعلنها جون كيري فيما يتعلق بالمسجد الأقصى وجود أزمة في العلاقات بين قيادتي البلدين، وإذا لم تتم المسارعة إلى معالجتها من خلال عقد لقاءات على كل المستويات من القمة، وعلى صعيد وزيري الخارجية، يمكن أن تصل العلاقات إلى مأزق ليس في مصلحة الشعبين والقيادتين.

تظهر الأزمة في الخلافات التي تخرج إلى العلن في أحيان عديدة، وفي ضعف التنسيق. كما تعبر عن نفسها في قلة الاجتماعات، لا سيّما على مستوى القمة، إذ لوحظ عدم عقد لقاءات بين الملك عبد الله والرئيس محمود عباس إلّا نادرًا بالرغم من مرور الأخير عبر الأردن أثناء سفره ذهابًا وإيابًا. فلم يحدث عقد لقاء بين الرئيس والملك أثناء وجوده في عمان خلال زيارة كيري الأخيرة، بالرغم من أن البحث جرى حول المسجد الأقصى، وهو موضوع محل اهتمام حيوي للطرفين، لدرجة قيل إن الأمر لم يقتصر على عدم عقد اجتماع على مستوى القمة أو ثلاثي بحضور كيري، بل على عدم عقد أي لقاء على أي مستوى، لدرجة أن اللقاء الذي شارك فيه ناصر جودة كان بروتوكوليًا ولم يتم فيه تنسيق الموقف المشترك.

ما سبق ساهم في وقوع ما حصل من تأييد فلسطيني للمبادرة الفرنسية بإحضار مراقبين دوليين للمرابطة في الأقصى من دون تنسيق مع الأردن، وفي صدور تفاهمات كيري من دون تنسيق أو موافقة فلسطينية.

برز الخلاف قبل ذلك أثناء التحضير لطرح مشروع القرار العربي الذي قدمته المندوبة الأردنية في مجلس الأمن، وقيل إن الخطوات التي اتخذت حوله في مختلف المراحل لم تكن منسقة ومتفقًا عليها بين الأردن وفلسطين، بل برز خلاف حول عرض مشروع القرار قبل نهاية العام الماضي، وقبل تبديل المندوبين لبعض أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين من دون ضمان الأصوات التسعة التي تكفل عرضه للتصويت.

يبدو أن الخلاف له صلة في أن موقف الأردن يريد الحفاظ على الوضع الراهن وعدم دفعه نحو التدهور، لأنه يخشى من حدوث مواجهة كبرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستكون لها تداعياتها على الأردن، في وقت يدفع فيه الأردن ثمن عدم الاستقرار والصراعات الداخلية التي تشهدها سوريا والعراق، وفي ظل وجود حكومة في إسرائيل تداعبها أحلام تطبيق فكرة إسرائيل الكاملة، ويتبنى بعض أركانها فكرة حل المشكلة الفلسطينية على حساب الأردن.

لم تعد تعرف القيادة الأردنية بالضبط ما تريده القيادة الفلسطينية: هل الاستمرار في "عملية السلام"، أم اختيار مقاربة جديدة، أم ماذا؟ وبالتالي، تساهم بعض السياسات الفلسطينية في الانزلاق نحو التدهور، وتظهر الحساسية الأردنية أوضح ما يمكن بعد اندلاع الموجة الانتفاضية، وما يمكن أن تؤدي إليه من مواجهة كبيرة لا يعرف أحد كم ستطول، وماذا ستكون نتائجها؟

حتى تتضح الصورة أكثر، نرى أنه بالرغم من انطلاق كلا الطرفين اللذين يعتمدان نفس المقاربة مما يسمى "عملية السلام" والمفاوضات وعدم الدفع باتجاه مجابهة كبيرة مع إسرائيل، إلّا أن موقفهما غير متطابق من المبادرات الرامية إلى استئناف المفاوضات، إذ يبدي الأردن تجاوبًا أكبر معها.

ظهر الخلاف بعد ذلك حول انتخابات "الفيفا" ودعم أو عدم دعم ترشيح الأمير علي قبل المسارعة إلى حله، وأيضًا حول الدعوة المتعجلة إلى عقد المجلس الوطني، إذ حذّر الأردن، وعلى أعلى المستويات، من عواقب عقد دورة للمجلس غير متفق عليها فلسطينيًا، ما اعتبره الأردن ذهابًا إلى مكان بعيد، يمكن أن تكون له تداعيات تمس أمن الأردن، يمكن أن تصل تأثيراتها على الفلسطينيين المقيمين في المخيمات هناك.

علاوة على ما سبق، يعتبر بعض المصادر الطريقة التي يدير فيها الرئيس الفلسطيني بعض الملفات الداخلية، مثل الخلافات مع محمد دحلان وسلام فيّاض وياسر عبد ربه، بأن لها علاقة مباشرة بالأزمة التي تشهدها العلاقات الفلسطينية - الأردنية، خصوصًا بعد تقديم طلب من قيادات إماراتية بهذا الشأن، وتحديدًا من حاكم دبي الذي يرتبط بعلاقات مميزة بالقيادة الأردنية.

بادئ ذي بدء، لا بد من الإشارة إلى أنّ العلاقات بين القيادتين الأردنية والفلسطينية شهدت تحسنًا كبيرًا في مرحلة ما بعد التوقيع على "اتفاق أوسلو"، وبلغت المرحلة الذهبية في عهد الرئيس محمود عباس التي شهدت عقد الاتفاقية بينهما بخصوص مدّ الرعاية الأردنية للأوقاف الإسلامية إلى الأوقاف المسيحية، وفي اتخاذ موقف موحد من التعنت الإسرائيلي الذي أدى إلى إفشال كل المبادرات التي سعت إلى استئناف المفاوضات وإحراز تقدم، بما فيها إفشال مبادرة كيري نفسه. وهذا انعكس في تردي العلاقات الأردنية - الإسرائيلية إلى حد رفض العاهل الأردني تلقي اتصالات هاتفية عدة من قبل نتنياهو خلال شهر أيلول الماضي، لدرجة دفعت نتنياهو إلى إخبار لجنة "الخارجية والأمن" التابعة للكنيست بأن العلاقات مع الأردن مهددة بالتدهور أكثر ما لم تتم تهدئة الوضع في الأقصى.

تظهر متانة العلاقات الأردنية - الفلسطينية في الانطلاق من تقدير مشترك بأن لا إمكانية لحصول اختراق أو أي تقدّم حقيقي في المفاوضات، حتى إذا استؤنفت إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة على الأقل، خصوصًا طالما كان نتنياهو في سدة الحكم في إسرائيل. وهذه نقطة في منتهى الأهمية يمكن البناء عليها.

هناك نقطة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي أن إسرائيل، وخصوصًا في ظل حكومة نتنياهو لم ولن تحترم الاتفاقات التي عقدتها مع الفلسطينيين، ولا احترمت ولن تحترم معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، ولا سلسلة التفاهمات التي بنيت عليها، لا سيما فيما يخص احترام الرعاية الأردنية للمقدسات في القدس.

لعل المراوغة الإسرائيلية التي ظهرت في تفاهمات كيري أكبر دليل على ذلك، فقد جاءت مبهمة وتفسِّرها إسرائيل كما ترغب بما يؤكد سيطرتها، لأن الحفاظ على الوضع الراهن دون تعريفه بدقة كما جاء في الاتفاقيات يختلف عن العودة إلى الوضع التاريخي، ففي الوضع الراهن الذي كرسته التفاهمات أصبحت إسرائيل شريكة في كل شيء، بما في ذلك تركيب الكاميرات، وأخذت شرعية للزوار الذين هم ليسوا زوارًا، وإنما أصحاب مخططات عدوانية معلنة. أما في السابق، فكانت الأوقاف الأردنية هي التي تقرر وحدها من يدخل أو لا يدخل للصلاة أو للزيارة.

طبعًا، الخطأ الفلسطيني الفادح والأكبر بدأ منذ توقيع "اتفاق أوسلو" الذي أجّل البت في القدس، بما فيها من مقدسات، للمفاوضات النهائية، ما ساعد إسرائيل على تغيير معالمها والادعاء بأنها أرض إسرائيلية، أو على الأقل أرض متنازع عليها.

إن الاعتداءات والاقتحامات للمسجد الأقصى بلغت ذروتها في العامين الأخيرين، في ظل شروع الحكومة الإسرائيلية في تطبيق التقسيم الزماني تمهيدًا للتقسيم المكاني، ومن ثم إلى هدم الأقصى وبناء "هيكل سليمان" بدلًا منه عندما تتوفر ظروف تسمح بذلك، وفق مخططات معلنة يتحدث حولها ويسعى لتنفيذها وزراء في الحكومة الإسرائيلية وأعضاء كنيست وقادة أحزاب ورجال الدين. وكل ذلك يوجب بلورة موقف أردني فلسطيني مشترك يمنع تكريس الوضع الراهن.

هناك من الدلائل ما تشير إلى أن مصير التفاهمات الجديدة لن يكون مختلفًا عن مصير المعاهدة الأردنية - الإسرائيلية والتفاهمات السابقة، بدليل استمرار الاقتحامات اليهودية للأقصى في الأيام الأخيرة بعد هذه التفاهمات، إذ اقتصرت التعليمات التي أصدرها نتنياهو قبل التفاهمات وأكدها بعدها على منع الوزراء وأعضاء الكنيست من زيارة الأقصى، في حين رفضت الحكومة الإسرائيلية قيام الأوقاف الإسلامية بتركيب الكاميرات لأنها تريد السيطرة على هذه العملية.

إن الأردن وفلسطين في مركب واحد، والحقيقة أن إسرائيل لا تريد أن تعطي للأردن الإشراف على الأقصى ليرفض الفلسطينيون ذلك، وإنما لا تريد أن تعطي الفلسطينيين ولا الأردنيين أي شيء؛ ما يتطلب بلورة موقف مشترك، يقوم بالدفاع عن عودة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن للتحكم بمن يدخل أو لا يدخل إلى الأقصى، على أساس أنه مسجد إسلامي وليس مكانًا متنازعًا عليه، لا سيما بعد استخدام كيري في مؤتمره الصحافي الذي أعلن فيه عن التفاهمات مصطلح "جبل الهيكل" ثماني مرات عند كل إشارة للحرم الشريف.

جاء التزام القيادة الفلسطينية بما وقعت عليه مع الأردن بخصوص الرعاية الأردنية للمقدسات، لأنها تعتقد أن هذه الطريقة تساعد على حمايتها، ومنع تنفيذ المخططات الصهيونية إزاءها، ولكن من دون أن تتحول هذه الرعاية إلى نوع من إخراج المقدسات من كونها جزءًا من القدس التي هي جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي يناضل الشعب الفلسطيني بدعم من الأردن والعرب والعالم كله لفرض الانسحاب الإسرائيلي منها، وإقامة الدولة الفلسطينية (صاحبة السيادة) تجسيدًا للحق الفلسطيني، وللقرار الأممي الذي اعترف بالدولة الفلسطينية على هذه الأراضي، ما يوجب التنسيق الدائم بين القيادتين.

إن الصراع على الأقصى وبقية المقدسات الإسلامية والمسيحية ليس في جوهره صراعًا على العبادة وإنما صراع على السيادة، وعلى الفلسطينيين والأردنيين تفويت الفرصة على نتنياهو الذي يريد أن يحدث وقيعة بينهما.

في هذا السياق، تكتسب الموجة الانتفاضية التي اندلعت، وفي مركزها القدس، أهمية بالغة كونها أبرزت المخاطر التي تتهدد الأقصى والقدس، وساهمت في نوع من التراجع الإسرائيلي المحدود كونها أوضحت أن القدس محتلة، وكيف أن أَهلها لا يمكن أن يتعايشوا مع هذا الاحتلال. فانتفاضتهم والتضحيات التي يقدمونها دليل قاطع على أن الاحتلال لن يبقى إلى الأبد احتلالًا مربحًا لإسرائيل، بل يقترب الوقت الذي سيُصبِح فيه مكلفًا أو خاسرًا، وبصورة يصبح فيها الانسحاب وتفكيك المستعمرات الاحتلالية هو الحل الوحيد أمام إسرائيل.

إن الاستمرار بالتعلق بأوهام ما سمي "عملية السلام"، وانتظار نجاح المبادرات لاستئناف المفاوضات، والامتناع عن خوض المجابهة المفروضة من إسرائيل لم ولن يؤدي إلى الحفاظ على الوضع الراهن ومنع تدهوره، بل يساعد على حصول هذا التدهور.

يكمن الحل في اعتماد مقاربة سياسية جديدة من الأردن وفلسطين وكل العرب، تقوم على تعزيز مقومات الصمود والتواجد البشري الفلسطيني على أرض فلسطين، وعلى مجابهة مخططات إسرائيل لتغيير الحقائق على الأرض من خلال زيادة وتعميق الاستعمار الاستيطاني الذي يتوسع بشكل سرطاني وبمعدلات أكبر، سواء إذا كانت هناك "مفاوضات من أجل المفاوضات"، أو في ظل استمرار الوهم بإمكانية الحفاظ على الوضع الراهن بوجود المفاوضات أو عدمها.

إن محاصرة التمدد الاستعماري الاستيطاني تتطلب اعتماد إستراتيجية تأزيم متعددة الأشكال مسيطر عليها، تتجسد من خلال مقاومة بمختلف أشكالها، تحافظ على طابعها الشعبي، بما فيها توفير متطلبات اندلاع انتفاضة بأهداف واضحة وتنظيم وقيادة واحدة تمثل مختلف ألوان الطيف السياسي، وتساهم في إطلاق - ولو بعد حين - عملية سلام جديدة مختلفة جذريًا عن "عملية السلام" التي انطلقت بعد "مؤتمر مدريد" وأدت إلى "اتفاق أوسلو" وما نحن فيه حاليًا، على أن تكون لها مرجعية واضحة وملزمة، بحيث يكون التفاوض لتطبيق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ضمن سقف زمني قصير، وليس مفتوحًا إلى الأبد.

إسرائيل بسياستها الحاليّة ليست شريكًا في السلام، وإذا لم تدفع ثمن هذه السياسة غاليًا، فلسطينيًا وأردنيًا وعربيًا ودوليًا، لا يمكن أن تغيّرها، بل ستمضي قُدُمًا لتحقيق أهدافها في فرض "إسرائيل الكاملة"، بحيث تتعزز الاتجاهات الإسرائيلية التي تريد حل المشكلة الفلسطينية عن طريق تصفيتها بالمزيد من المستعمرات والتطهير العرقي.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018