كلام في الدين والسياسة والطائفية../ سليمان أبو ارشيد

كلام في الدين والسياسة والطائفية../ سليمان أبو ارشيد

من الطبيعي أن يستدعي قرار حظر الحركة الإسلامية العديد من النقاشات حول القضايا التي تندرج في نطاق علاقتنا بالسلطة، وفي نطاق علاقتنا ببعض كشعب ينقسم إلى ألوان سياسية واجتماعية تشكل مجتمعة طيفه الوطني. ومن الطبيعي أيضا أن تتفاوت ردة الفعل المتضامنة من وسط إلى آخر، ومن قطاع إلى آخر، وأن تثار العديد من التساؤلات المتعلقة بفكر الحركة الإسلامية ومنهجها وعلاقاتها بالأوساط والاطراف الأخرى، وهي تساؤلات تندرج ضمن النقاش المشروع والصحي طالما يجري تحت السقف الوطني، وعلى القاعدة التي تقول أن لا تضع يدك بيد العدو ضد أبناء شعبك مهما كان مستوى الخلاف السياسي والأيديولوجي معهم، بل أن تضع يدك في أيديهم للتصدي للعدو وبعد ذلك تصفي حساباتك الداخلية معهم.

والحال كذلك، فإنه مهما ارتفع صوت هذه النقاشات فإنها لا تغطي على الموقف الأساس، أنه في الصراع بين إسرائيل والحركة الإسلامية الشمالية والذي يدخل في إطاره إخراجها عن القانون، من االبديهي أن يقف شعبنا بكافة فصائله وأحزابه وتقسيماته الاجتماعية مع الحركة الإسلامية، وليس مع إسرائيل.

ومن الطبيعي أن يتضامن طلابنا وعمالنا ومثقفونا، على اختلاف تلاوينهم، مع الحركة الإسلامية ضد القرار الإسرائيلي التعسفي الذي يستند إلى قوانين الطوارئ الانتدابية سيئة الصيت. ومن المهم أن ندرك أن إسرائيل لم تستهدف الحركة الإسلامية لأنها إسلامية، فقد أخرجت إسرائيل في الستينيات حركة الأرض عن القانون وكانت حركة قومية، وفي الثمانينيات أخرجت لجنة التنسيق الوطني عن القانون وكانت تقف برأسها حركة أبناء البلد، وفي التسعينيات أخرجت مؤتمر الجماهير العربية وكان يقف وراءه الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة، كما حاولت أكثر من مرة منع قائمة التجمع الوطني الديمقراطي وأعضاء منه من خوض الانتخابات، كذلك طالت الاعتقالات الإدارية والإقامات الجبرية المستندة إلى هذه الأنظمة عشرات الكوادر من شيوعيين وقوميين وإسلاميين، إضافة إلى إغلاق صحف تابعة للتيارات المختلفة، بمعنى أن إسرائيل لم تستهدف الحركة الإسلامية لأنها إسلامية.

التقسيمات الجهوية والطائفية:

رغم محاولاتها اللعب على الأوتار الطائفية والجهوية استنادا إلى سياسة "فرق تسد" الاستعمارية، فنحن نعرف أن إسرائيل لا تميز بين عربي وآخر وفلسطيني وآخر. وكلما نسينا ذلك تسعى إلى تذكيرنا، فلا تمضي بضعة أيام على الاعتداء على مسجد حتى يتم إحراق كنيسة، ولا يفوت بضعة أشهر على اعتقال شيخ حتى يتم التنكيل بمطران وهكذا دواليك، وهي بموازاة ذلك لا تقيم وزنا لأيديولوجيات الفصائل والأحزاب والحركات الفلسطينية، قومية أم إسلامية أم أممية بل تحاكمها وفق موقفها من إسرائيل و"الخطر" الذي تشكله أو تعتقد أنها تشكله على سياساتها.

وغني عن البيان أن الساسة الإسرائيليين لاعبون ماهرون في الساحة الدولية التي يقرأون خارطتها جيدا ويوظفون تناقضاتها لخدمة مصالحهم العدوانية، فكما استغلوا 11 سبتمبر (2001) وموجة "القاعدة" للزج بالنضال الفلسطيني في خانة "الإرهاب الدولي" أو "الإسلامي"، ها هو نتنياهو يسعى إلى ربطنا بـ"داعش"، ويستغل موجة داعش لتسويد وجه النضال الفلسطيني المشروع، لكنه ولو استطاع إقناع كل العالم بذلك فلن يستطيع إقناعنا نحن، لأننا نعرف دوافعه ومنطلقاته، ولن نضع أيدينا بيده الملطخة بالدماء ضد أي من أبناء شعبنا.

بين الطائفية العلمانية والإسلام السياسي:

تبني الإسلام كفكر ومنهج لا يجعل من الحركة الإسلامية أو حماس أو الإخوان المسلمين حركات طائفية، فكما تعلمنا الأدبيات العلمية أن هناك فرقا كبيرا بين الطائفية وبين التدين، فقد يكون الإنسان طائفيا وغير متدين، وقد يكون متدينا وغير طائفي، الأمر ذاته ينطبق على الأحزاب والحركات فهناك فرق بين تسييس الدين وبين الطائفية السياسية، ولا غرابة أن نجد في الساحة اللبنانية مثلا أكثر الأحزاب دينية ( حزب الله) أقلها طائفية في حين نجد أكثر الأحزاب علمانية (الكتائب والقوات اللبنانية –جعجع) أكثرها طائفية.

هذا لا يلغي نقاشنا ورفضنا لظاهرة تسسييس الدين وحركات الإسلام السياسي على تلاوينها المختلفة، ولكن في ذات الوقت لايمكن أن نضعها جميعها في سلة داعش كما يريد نتنياهو، الذي يسعى، كما هو معروف، إلى دمغ النضال الفلسطيني بالإرهاب، فحماس هي حركة مقاومة فلسطينية تصارع جنبا إلى جنب مع فصائل فلسطينية أخرى قومية وعلمانية من أجل إنهاء احتلال غاصب لأرضها وتمارس نشاطها السياسي في نطاق وطني فلسطيني، والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني تصارع إلى جانب طلائع هذا الجزء من شعبنا من أجل البقاء في وجه سياسة تسعى إلى تدمير هويتنا وتبديد وجودنا المادي، وهي جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي، كما هي جزء من هيئات شعبنا الموحدة وإجماعه الوطني، ولا يمكن اعتبارها خارجة عن الإجماع أو خارجة عن القانون حتى لو اختلفنا معها حتى إشعار آخر.

اذن بالنسبة لموقع هذه الحركات من الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن القاعدة العامة تقول إن الولاء الفكري لأي حركة أو حزب لا يلغي أوتوماتيكيا ولاءه الوطني، فحركة الأرض كانت تتبنى الفكر القومي، وشكلت امتدادا عروبيا ناصريا في ساحتنا الفلسطينية في الداخل، ومع ذلك نعتبرها جزءا أصيلا من الحركة الوطنية. والحزب الشيوعي قبل الـ 48 وبعد الـ 48 كان وما زال له ولاؤه الفكري الشيوعي، وكلنا يذكر نكتة "إذا أمطرت في موسكو حملوا مظلات عندنا"، وحركة أبناء البلد لها امتداد قومي وأممي. الأمر ذاته ينطبق على حركة حماس والحركة الإسلامية في الداخل، فالأصل أن عمل هذه الحركات يدور في النطاق الوطني، وهي تتصدى أسوة بغيرها من المركبات الأخرى للقضية أو للقضايا الوطنية وتتعرض بالمقابل لما تتعرض له بقية المركبات، وهي بذلك تشكل أحد ألوان الطيف الوطني.

وفي حالة حركاتنا وفصائلنا الفلسطينية يشكل البعد والامتداد، كان قوميا عربيا أو أمميا شيوعيا أو إسلاميا غطاء ومنهجا فكريا ومحركا معنويا، علما أن ترجمته هي مجرد حلم بعيد المنال، فمن حق الشيوعي أن يحلم بالدولة الاشتراكية في إسرائيل أو فلسطين، ومن حق القومي أن يحلم بالدولة القومية من المحيط إلى الخليج، كما هو من حق من ينتمي للفكر الإسلامي أن يحلم بدولة الخلافة، وحتى استعادة الأندلس، ولكن طالما نحن عاجزون مجتمعون عن تحقيق ربع دولة في الضفة والقطاع، فمن السابق لأوانه جدا الاختلاف حول هذه الأحلام.

القدس والأقصى رمزان جامعان:

أما في قضية القدس والأقصى، يجدرالتنويه بأن القدس قبل أن تكون مدينة مقدسة دينيا هي عاصمة فلسطين ورمزيتها السياسية تلك إضافة إلى رمزيتها التاريخية والدينية، تجعلها جامعا للفلسطينيين بمختلف قطاعاتهم وتجمعاتهم. وبالنسبة للمسجد الأقصى فإضافة إلى كونه "رمزا دينيا تاريخيا وحضاريا اسلاميا"، وبهذا المعنى فهو يخص كل العرب والفلسطينيين، فهو رمز ومعلم وطني فلسطيني جامع لكافة قطاعات وتجمعات شعبنا، بغض النظر عن دياناتهم واستهدافه هو جزء من استهداف الفلسطينيين أرضا وشعبا، وليس جزء من استهداف الإسلام، الأمر ذاته ينطبق على كنيسة القيامة التي هي كنيسة فلسطينية يقع واجب الدفاع عنها وصيانتها على الفلسطينيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، وهي تستهدف لأنها فلسطينية، وليس لكونها مسيحية.

إلى ذلك، فإن الواقع السياسي الحالي للقدس يجعلها محايدة أو محيدة سياسيا في الصراع بين سلطتي غزة ورام الله، ولا تقع تحت نفوذ أي منهما، وهي ليست جزء من أراضي 48 ذاتها، ما يضعها على مسافة واحدة من التجمعات الفلسطينية الثلاثة، بمعنى أنها تستطيع تحريك هذه التجمعات وجعلها تلتف حولها وهو ما لا يستطيع فعله أي تجمع آخر ويحدث في الانتفاضة الراهنة، والتي جاء القرار الإسرائيلي ضد الحركة الإسلامية في سياق محاولات قمعها، اعتقادا من نتنياهو أن هذا القرار يساهم في قطع الوشائج القائمة بين القدس وأراضي 48 من جهة، وإضعاف دور القدس كمحرك للانتفاضة الراهنة من جهة أخرى.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018