السعودية وإيران: الإعدام في زمن النفاق والطائفية/ نمر سلطاني

السعودية وإيران: الإعدام في زمن النفاق والطائفية/ نمر سلطاني

توالت ردود الفعل على إعدام السعودية للشيخ والمعارض نمر باقر النمر. وجاءت الإدانة الأشد من طرفي إيران وحزب الله. وتوعدت إيران السعودية بعواقب وخيمة لفعلتها، في حين استفاض بيان حزب الله بالحديث عن الحقوق المهدورة التي رفع لوائها الشيخ القتيل وعن زيف الحديث عن حقوق الإنسان في مملكة القمع. 

ومما يثير الدهشة في المشهد أمران. أولهما أن الاعتراض هو على إعدام معارض شيعي لا على الإعدام نفسه. فالسعودية أعدمت ما يزيد عن 150 شخصا في العام المنصرم، ولكن إيران أعدمت ما يزيد عن الألف. لذا فإيران لا تعارض عقوبة الإعدام بشكل مبدئي. وعلينا في مثل هذا النقاش أن نذكر بما اختفى عن المشهد: عقوبة الإعدام هي عقوبة متخلفة وغير إنسانية سيان إن مارستها السعودية أو إيران أو الولايات المتحدة. لقد توصل الكثير من دول العالم إلى هذه النتيجة منذ زمن بعيد. وآن بهذه الدول أن تلحق بركب القيم المتنورة. 

وكانت السعودية قد استنكرت المقارنة بين إعدامها العلني بقطع الرأس وبين ممارسات تنظيم داعش بالقول إنها تملك جهازا قضائيا يقوم بمراجعة هذه القرارات وإقرارها، في حين أن ممارسات داعش هي خارج القانون. لكن هذا الرد مردود لأن منظمات حقوق الإنسان انتقدت طويلا الجهاز القضائي. فهو لا يحفظ أدنى حقوق المتهمين والمعتقلين مثل حقهم بالتمثيل القانوني ومنع تعذيبهم وعدم أخذ الاعترافات بالقوة. والأنكى من ذلك أن السعودية نظرا لرفضها قوننة الشريعة التي يعتمدها القضاة مرجعهم فإنه لا وجود لقانون جنائي واضح العقوبات وجليّ الجنايات. فبعد ضغط ونقد طويل لم تسنّ المملكة إلا تشريعات إجرائية في القانون المدني والجنائي لا غير. لذا لا تستطيع المملكة السعودية أن تعتدّ بالجهاز القضائي لأنه لا يتماشى مع أدنى المعايير القانونية المتبعة من معرفة القانون المسبقة وتجنب التهم الفضفاضة والحرص على سلامة الإجراءات. 

أما ثاني دواعي الدهشة فهو النفاق في النقاش من كافة الأطراف. فالسعودية أعدمت الشيخ النمر لأنه، من جملة الأسباب، 'أثار الفتنة الطائفية'. وهذا سبب مثير للضحك المبكي أو البكاء الضاحك. ذلك أن السعودية وبلا ريب كانت في العقد الأخير من أشدّ المروجين للطائفية. وقد استشاطت في الدوافع والخطاب الطائفي إلى خانة التحالف مع إسرائيل ضد خصومها من الشيعة. وفي ذلك شبه إضافي مع داعش التي تعطي الأولوية لقتال الشيعة.

وإذا كان يحق لإيران وحزب الله، ودون أدنى شك، انتقاد هدر حقوق الشيعة في البحرين والسعودية واليمن على مدى العقود، فإن هذا النقد لا يستقيم مع ممارساتهم في سوريا بشكل خاص. ففي سوريا أيضا شعب هدر حقوقه نظام ظالم على مدى عقود وعندما طالب بحقوقه وحريته تكالبت عليه الأطراف جميعا لتحوّل معركته إلى حرب طائفية قذرة. وفي السياق  نفسه انتقد بيان حزب الله السعودية لأنها، كما يقول البيان، خلطت حق الشيخ النمر بباطل الإرهاب. والإشكال في ذلك بطبيعة الحال هو أن حليف حزب الله نظام الأسد قد قام بنفس التكتيك. ففي عام 2011، كما فصّلت صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرًا على سبيل المثال، قام النظام السوري بنقل السجناء الإسلاميين المتشددين من السجون المختلفة إلى سجن حلب المركزي وهناك حسّن ظروف اعتقالهم وخلطهم بسجناء الرأي الذين اعتقلهم منذ بداية المطالبة بالإصلاح والهبة الشعبية لكي يقوم المتشددون بالتأثير على المعتقلين الجدد. ثمّ أطلق سراح المتشددين لكي ينضموا إلى معارضيه. وقام الأمن اللبناني بالأمر نفسه عندما أطلق سراح أكثر من 90 جهاديا ومنهم من المعتقلين على خلفية الحركة الجهادية في نهر البارد والتي أدت إلى قتل 190 جنديا لبنانيا. ولذا ادعى العديد من المعارضين أن النظام السوري هدف إلى شق المعارضة وإلى تسهيل تصويرها بأنها معركة على الإرهاب.         

لسنا من السذاجة لنتوقع أن الأخلاق والحقوق، لا الاعتبارات الجيو-إستراتيجية والمصالح والقوة، هي التي تحدد نهج الدول والنظم الحاكمة. ولسنا ممن يرى أن هذا النهج محصور على الدول العربية. ولكنا نسوق هذه الأمثلة للتذكير بتناقضات الخطاب وزيفه في أتون المعارك. فمن الواضح أن الخطاب الأخلاقي أو الحقوقي هو مجرد ممارسات خطابية وتبريرية توظّفها الأنظمة والأحزاب العربية دون أن يرفّ لها جفن متى ما رأت في ذلك منفعة. المشكلة التي تنبع من هذا الاستغلال للخطاب الحقوقي والأخلاقي أنه من ناحية يصبح هذا الخطاب مجرد تبرير للذات وتفنيد للخصم للتفرقة بين نحن الأخيار وهم الأشرار. وهذا التبرير أيديولوجي لأنه يشوّه حقيقة الواقع ويبسّطها، ويصالح الناس مع واقعهم المرّ، أو مع مشاركتهم أو مساندتهم لجرائم.

ومن ناحية ثانية، ينتج نظرة كلبية ('سينيكال') ساخرة إلى الأخلاق وحقوق الإنسان على أنها مجرد حرب دعائية (بروباغاندا) للتغطية على المصالح وصراع القوى أو على أنها مجرد سلاح آخر يتمّ استغلاله حين يفيد وهجره حين يضرّ أو يقّيد. وعواقب ذلك وخيمة لأن خطاب الحقوق وقوانين الحرب وما إلى ذلك، وهي الفرق ما بين شريعة الغاب وشريعة الإنسان، تفقد معناها ودورها تماما. ولأن من يمارس مثل هذا الزيف والتناقضات لا يملك الحق الأخلاقي أن ينتقد فيما بعد الآخرين، إن كان ذلك إسرائيل أو أميركا. ولا شك أننا لا نستطيع التخلي عن خطاب الحقوق. أولا لأن الحقوق مصلحة إنسانية وقد تكبدت البشرية الكثير من المعاناة والعناء حتى وصلت إلى هذه النتيجة. فللجميع مصلحة أن تكون هناك قواعد دنيا للتعامل حتى في الحرب (من عدم إعدام الأسرى وعدم التعذيب وعدم استعمال الأسلحة المحرمة دوليا). وثانيا، لأنه بالرغم من فشل وانهزام خطاب الأخلاق والحقوق من مرة إلى أخرى أمام حقائق القوة والمصالح، إلا أنه يبقى درعا يصد من حين إلى حين حقائق القوة أو يجبرها على تشذيب أظافرها. ورغم أننا نعي تماما الفارق بين الموجود والمنشود وعلينا أن نكون واقعيين زهاء محدودية خطاب الحقوق في تمكين الضعفاء والمضطهدين، إلا أننا لا نستطيع إغلاق الهوة بين الموجود والمنشود بالقبول بالموجود كالخيار الوحيد المتاح. لأن ذلك لا يعني إلا إعادة إنتاج الموجود دون التقدم قيد أنملة تجاه المنشود وتحويل الموجود، فعلا لا إمكانا فحسب، إلى الخيار الوحيد المتاح.   

أخشى ما أخشاه أن الثورات العربية التي بدأت بالثورة على الظلم وبشعارات العدالة والحرية والمطالبة بحقوق الإنسان والديموقراطية، والتي قال البعض إنها أنتجت إنسانا عربيا جديدا نفض عن أكتافه رداء الخوف والذلّ والاستكانة، قد وصلت إلى حالة قد تدفع بالكثير من أبناء هذا الجيل إلى نظرة كلبية تجاه الحقوق والديموقراطية والأخلاق فنكتب على أنفسنا شريعة الغاب. ومأساة ذلك أن قبولنا بهذه النظرة الكلبية لا يعدو كونه تخلينا عن كوننا بشر.

(* محاضر في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية -ساواس-  في جامعة لندن)