بين الدولة الواحدة ونظام الأبرتهايد/ سليمان أبو إرشيد

بين الدولة الواحدة ونظام الأبرتهايد/ سليمان أبو إرشيد

يعتقد العديد من الفلسطينيين والعرب، من مؤيدي الدولة الواحدة، أن إسرائيل بتشييعها لحل الدولتين، الذي أبنته أنغيلا ميركل هذا الأسبوع بعد أن قتله بنيامين نتنياهو ونعاه يتسحاق هرتسوغ سابقا، يعتقدون خطأ أن إسرائيل تقدم لنا الدولة الواحدة على طبق من ذهب. هذا الاعتقاد رسخه ما كان يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي، في سياق دفاعه عن النزوع نحو التسوية مع الفلسطينيين وضرورة التوصل إلى حل وسط يفضي إلى قسمة سياسية معينة تقوم على قاعدة دولتين ويكون هدفها قطع الطريق على نشوء واقع ديمغرافي سياسي يماثل حالة الدولة الواحدة. 

في صراعه على الرأي العام الاسرائيلي، الصهيوني حتى العظم، لم يجد ما كان يسمى باليسار الإسرائيلي سوى التعظيم من شأن العامل الديمغرافي وتحويله الى هاجس الإسرائيليين وتخويفهم بفزاعة الدولة الواحدة، التي ستكون ذات أغلبية عربية بعد بضع عشرات من السنين.

فزاعة الدولة الواحدة تختلف عن شعار الدولة الواحدة الذي رفعه الفلسطينيون مع انطلاق ثورتهم المعاصرة في منتصف الستينيات، والذي ذيل بتسميات متباينة ابتدأت بـ"العلمانية الديمقراطية" ولم تنته عند "الديمقراطية الشعبية"، وأريد لها أن تكون الحل الأمثل للقضية الفلسطينية وللمسألة اليهودية في فلسطين.

شعار الدولة الواحدة ارتبط بتحرير فلسطين، كل فلسطين، من خلال الكفاح المسلح والحرب الشعبية طويلة الأمد ومن ثم تفكيك الصهيونية وتخليص اليهود من براثنها ليتسنى التعايش معهم في كنف دولة ونظام واحد يقوم على أسس العدل والمساواة والديمقراطية، وهو ما عجزت حركة التحرر الوطني الفلسطيني عن انجازه، فاضطرت بعد عقود من الكفاح المسلح وغير المسلح إلى اللجوء للحلول الوسط والتصالح مع إسرائيل والموافقة على إقامة الدولة الفسطينية على جزء صغير من الوطن (الضفة والقطاع) على قاعدة حل الدولتين والدخول لاحقا في "عملية أوسلو"، وهو الحل الذي نسفته إسرائيل بقيادة يمين الحركة الصهيونية مؤخرا غير آبهة بالهاجس الديمغرافي ولا بفزاعة "الدولة الواحدة".

لأجل وضع الأمور في نصابها، نقول إن الدولة الواحدة المرتبطة بتحرير فلسطين، كل فلسطين، كانت الشعار السياسي الذي رفعته حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية وعجزت عن تحقيقه بعد الضربات التي تلقتها في المواجهة العسكرية مع إسرائيل وحلفائها، في أكثر من جولة حتى وافقت مضطرة على "النزر اليسير من الوطن" ودخلت في عملية أو نفق أوسلو الذي أفضى إلى مزيد من الاستيطان والتغول الإسرائيلي، مقابل المزيد من الضعف الفلسطيني، وصولا إلى خلق معادلة تتيح للإسرائيلي نسف "الإنجاز التاريخي" الذي تحقق لنا بعد عقود من النضال وهو إيصال إسرائيل إلى نقطة انكسار معينة، تتمثل باعتراف جزئي بحقوق الشعب الفلسطيني والدخول في عملية سياسية تقوم على قاعدة تقاسم البلاد حتى ولو كانت قسمة ضيزى. هذا الإنجاز تكنسه اليوم إسرائيل المستقوية بتفكك العرب وانقسام الفلسطينيين لتعيدنا إلى نقطة البداية إلى "دولة احتلال واحدة من البحر إلى النهر تحت السيطرة الإسرائيلية.

ما أردت قوله، أننا وإن كنا لا نذرف الدموع على حل الدولتين فإن دفنه هو محصلة لهزيمة الجانب الفلسطيني والعربي وليس العكس،  وهو لا يؤشر إلى ذهاب عشرين سنة من المفاوضات فقط بل وعقود من النضال سبقتها وأفضت إليها هباء منثورًا. وإن كان بعضنا (ممن ظلوا رافضين للتسوية ولحل الدولتين) يقفون "شامتين" على الجانب الآخر من المتراس الفلسطيني ليقولوا للـ"غارقين في نهج أوسلو" هذا ما جنته أيديكم، فإننا ندرك أن المجني عليه هو الشعب الفلسطيني كله، وأن اسرائيل تعيدنا إلى نقطة البداية وأيدينا صفر الإنجازات، اللهم إلا إذا أردنا اعتبار الديمغرافيا إنجازًا سياسيًا.

وعودة إلى الديمغرافيا، فإن من يعتقد أن إسرائيل بمجرد أن ترفض حل الدولتين تتحول أوتوماتيكيًا إلى دولة أبرتهايد، على غرار جنوب أفريقيا، تقاطعها دول العالم وتنبذها وتضطرها للتحول إلى ديمقراطية، عليه أن يدرك أن مصطلح أبرتهايد استعمل للمرة الأولى في جنوب أفريقيا في العام 1917، فيما جاء تأسيس حكومة الفصل العنصري في العام 1948 وجرى إلغاء الأبرتهايد بانتخابات ديمقراطية في العام 1994، أي أن فترة التأسيس للأبرتهايد التي امتدت من العام 1917 وحتى العام 1948 بلغت 30 عاما، وفترة الكفاح ضد الأبرتهايد التي توجت بالانتصار في العام 1994 بلغت 42 عامًا والحديث عن جنوب أفريقيا وليس عن إسرائيل.

وإذا كنا (نحن) لم نستطع إقناع العالم بالضغط على إسرائيل بإعادة اللاجئين إلى بيوتهم خلال 70 عامًا، ومن الانسحاب من الضفة والقطاع خلال 50 عامًا، فلا أعرف كيف يمكن إقناعه (العالم) بإجبار إسرائيل على تفكيك نفسها أو تفكيك الصهيونية خلال فترة زمنية أقل من تلك، علمًا أنه ليس أمامنا أي خيار آخر لأن إسرائيل هي من تتحكم بقواعد اللعبة. 

اقرأ/ي أيضا:

ضد الحلول: الدولة والدولتين أيضا.../ نمر سلطاني*

عن الدولة الواحدة.../ رامي منصور

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"