أي مثقف فلسطيني نريد؟ / ممدوح إغبارية

أي مثقف فلسطيني نريد؟ / ممدوح إغبارية

عرب 48

يوبّخني أصدقائي، محرّري المواقع التي أنشر فيها مقالاتي على نشري لأفكار مختلفة على الفيس بوك تصلح بأن تكون مقالات نوعيّة. وكنت قد نشرت ستاتوس ساتيريّ حول أزمة المثقّف الفلسطينيّ على الفيس بوك، لاقى في حينه استحسان بعض متابعي الصّفحة وغضب الآخرين، ممّا دفعني بالتّفكير بتطويره ورفده بمقوّمات المقال، لأوضح رأيي حول أزمة المثقّف الفلسطينيّ.

حقيقةً يطرح السّؤال أيّ مثقّف ومناضل نحن بحاجة كمجتمع فلسطينيّ. سأحاول في هذا المقال الإتيان بصفات ومكامن الضّعف والقوّة للمثقّف الفلسطينيّ الحاليّ والمثقّف الفلسطينيّ الذي نريد حتى يعرف الشّباب خاصّة، ولي منهم أصدقاء ورفاق كثر أتعلّم منهم ويتعلّمون منّي، ما هو دورهم وما المتوقّع منهم.

أوّلا، الفجوة بين الشّعارات والممارسة

لن أخوض في سجالات حول كيف يتحوّل المثقفون والجامعيّون بعد فترة التّعليم الجامعيّ وبعد مشوار طويل مع الثّقافة في ربوع الشّباب إلى وكلاء للبنى التّقليديّة السّياسيّة، خاصّة العائليّة والفكر الرّجعيّ السّائد. وقد كانت الثّورات العربيّة في العام 2011 وحركة الشّعوب ضدّ الاستبداد ورموز الفساد ومثقّفو السّلطة، المجهر الرّئيسيّ الذي كشف عمق أزمة المثقّف العربيّ التّقليديّ وعن تناقضاتهم القيميّة حول الحريّة والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان.

فبعد أن اقترب الشّعب للتحوّل الدّيمقراطيّ وخاض الشّعب العربيّ في عدّة أماكن الانتخابات الحرّة الدّيمقراطيّة، التي كافح لأجلها مثقّفو الوطن العربيّ وقد أسفرت عن فوز الإسلاميّين، مثلما حصل في غزّة وتونس ومصر وليبيا ورجوح كفّتهم في سوريا واليمن، فقدت هذه النّخب المثقّفة صوابها وقد "تتحالف مع الشّيطان" لأجل الإطاحة بالفكر الإسلاميّ (لا حاجة للتذكير بموقفي النّقدي اتجاه الإخوان وتشجيعي المطلق لهم على الانفتاح مثل تجربة النّهضة في تونس الحرّة).

ثانيا، أساس الأزمة

ينغمس بعض المثقفين الفلسطينيّين في فقاعة فكريّة حيث يطرح المشاكل بلغة فوقيّة تعبّر عن نفسيّة نرجسيّة تعمّق الانقطاع عن هموم النّاس الحياتيّة واليوميّة. هنا يمكننا استبيان المثقّفين الذين يدعون لتقبّل الآخر والتّعاضد والتّكاتف بينما ينشغلون في هموم بعيدة عن النّاس مؤكّدين نرجسيّة وتعصّب وتعالي المثقّف غير المعطّر بثقافة تقبّل الآخر المختلف البسيط بتواضع ودون شروط مسبقة. من هذا الحال تخرج دعوتي لمثقفي شعبنا بالتّواضع وتغليب الحوار والاحتواء على الإلغاء وهجر النّرجسيّة والتّحجّر الفكريّ المغلّف بالتّنوّر والتّكبّر على طموحات النّاس البسيطة بالعيش الحرّ والكريم.

ثالثا، عن الوجع الحقيقيّ وترف المثقّف

الانشغال بأسئلة النّهضة لا يعني أنّك تشارك بها. في ظلّ هموم وأوجاع المجتمع العربيّ، على المثقّف النّهضويّ استيعاب أوجاع شعبه الحقيقيّة وعدم الاكتفاء بالتّرف الفكريّ حول أسئلة كبيرة مثل العلمانيّة والإسلام والليبراليّة والاشتراكيّة وإلخ. مع المثقّفين الفلسطينيّين ربّما تستطيع أن تتحدّث مرارًا عن أنّك محاط بالأعداء، كما يمكنك أن تشعل أعنف المواجهات الكلاميّة حول الأيديولوجيّات، لكن هذا كلّه لا يطعم خبزًا، ما يطعم الخبز ويجسر الهوّة بين المثقّف والمجتمع هو المساهمة المباشرة في تحسين حالة الإنسان الفلسطينيّ في إطاره الفرديّ والجماعيّ، وإعطائه الآليّات للعيش بحدّ أدنى من الكرامة والأمان وبالتّأكيد إحساسه بأنّه كيان حرّ، ليس الغرض من كلامي التّشجيع على البراغماتيّة الأنانيّة والمصلحيّة السّطحيّة، فهي آفة الآفات وواحدة من أدنى مراتب النّفس البشريّة، لكن ما أريد أن أقوله إنّ أجمل النّظريّات السّياسيّة وأروعها لا تعني شيئًا ما لم تنعكس على الأرض لصالح سعادة الإنسان، لذلك على المثقّف الفلسطينيّ أن يتخطّى الخطاب الشّعريّ والتّنظير الفلسفيّ، ونتعلّم ببساطة كيف نترجم فلسفاتنا إلى أعمال حقيقيّة تخدم الإنسان وتقدّره.

رابعا، الكليشهات وافتقاد برامج العمل والرؤى

تنشغل الطّبقة الثّقافيّة التي أتحدّث عنها بكليشهات عاطفيّة فتراهم يخاطبون الجماهير عبر قيم الانتماء والعطاء دون أيّ خطّة أو برنامج يراعي خصوصيّة المجتمع العربيّ الفلسطينيّ الذي يعيش في إسرائيل. تراهم يطلقون العنان حول فكر ورؤى استراتيجيّة تخاطب العاطفة على سبيل المثال وليس الحصر "فلسطين من النّهر للبحر"، دون أي برنامج أو رؤية أو خطّة عمل، بينما نحن بحاجة لمناضلين ومثقّفين يقودون المجتمع العربيّ عبر تعبئتهم على تقويم العقل ونكران الذّات والوحدة والعلم والنّضال لإرساء ثقافة جديدة تحوّل الفكر الأوتوبي إلى برنامج عمليّ ورؤى إستراتيجيّة تنفع النّاس.

أخيرًا، إنّ إدراك احتياجات وهموم المجتمع العربيّ الفلسطينيّ الحقيقيّة في البلاد هي اللبنة الأولى في الطّريق لاجتراح الحلول للنهضة المرجوّة. ما نحن بحاجه إليه في هذه الأيّام هو مثقّف عضويّ يعيش داخل مجتمعه ولا يغترب عنه عبر الفقاعات النّخبويّة والجدران العازلة.

نريد مثقّفًا على شاكلة ابن خلدون والغنوشي والفارابي وابن رشد وفولتير وروسو وغرامشي وغيرهم الكثير ممّن فكّروا وعاشوا بين أبناء شعبهم وقالوا وجهة نظرهم دون وجل أو خوف دون مواربة من جهة، ودون ترفّع عن أحلام النّاس البسيطة واحتياجاتهم الأساسيّة، من جهة أخرى.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018