للمؤنث معنى عربي جديد في 8 مارس/ دينا الخواجة

للمؤنث معنى عربي جديد في 8 مارس/ دينا الخواجة

لم تكن فتيات ميادين التحرير في مصر واليمن، ولا المتظاهرات في القصبة في تونس، ولا الشابات الليبيات في ميدان الشجرة في طرابلس الغرب، ولا الزوجات في درعا في سورية، يعلمن ما يخبئ لهن الربيع العربي من أفراح وأهوال، من آفاق ومن محن على مدار أعوام ست. جرفتهن دعوات الحرية والعدالة الاجتماعية للمشاركة، قبل أن تتلاعب بهن قوى النظم القديمة، ويشيئهن نفسياً وجسدياً سلفيو المنطقة شرقاً وغرباً. تمسكن بالوجود العام في الشوارع قبل البرلمانات، في الفضاء الافتراضي، قبل اللجان القومية، وفي العمل التنسيقي والحشد النقابي أكثر من المناصب الحزبية. كن هناك، راضياتٍ بالمشاركة ضمن الجموع في مواجهة الرصاص المطاطي والحي، ضد التحرش الجسدي والوصم والتشهير، على الرغم من الاعتقال والتعذيب، في مواجهة التهجير والسبي، من دون أن يتراجعن عن دورهن أو يطويهن الحنين للعش الأبوي الساتر لهن.

من منا لا يتذكّر مشهد الطبيبة في المستشفى الميداني، تنزع الرصاص وتخدر الألم، وهذه الصحافية التي تختبئ في مدخل بنايةٍ، لتوثق أعداد الضحايا والقتلى، وهذه الطالبة التي تصمد أمام كشوف العذرية الجماعية، قبل إيداعها السجن، وهذه الفتاة التي تعاني ظلم اغتصابها وعار عائلتها، من دون أن تلعن زمن الثورات والتغيير، ولا تستبطن رغبةَ مجتمعها في التخلص منها ومن ذكراها.

من منا استطاع نسيان صورة الأمهات اللاتي عارضن نزول أولادهن وبناتهن للميادين من دون جدوى، اللاتي تلقيّن خبر السجن والسحل والاختفاء القسري لذويهن بدموع شامخة، وباحتسابٍ عند الله. هذه الصبايا اللاتي فقدن أحباءهن في الشقا وحلب وماسبيرو والجسرين وبنغازي وعدن... لكنهن استمررن وحدات.

من منا لم يصبه الذهول من قوة هذه الشابات المحاميات والناشطات الحقوقيات، اللاتي انتظرن رؤية الشمس شهوراً وسنين داخل الزنازين العفنة، أو اللاتي حفظن شكل الطوب والحصي المتناثرة على أبواب السجون في عمق الصحراء، من طول انتظارهن زيارة أعزاء لهن. من منا لم يبك فرحاً من عزيمة هؤلاء المعالجات اللاتي دربن الفرق الجماعية على إنقاذ ضحايا الاغتصاب والتحرش، على توثيق آثار الغازات السامة والقنابل المتنوعة، وعلى حماية النساء وأجسادهن من مؤامرات الثورات المضادة بذكوريتها المتأخرة، رافعات اسمهن الجديد: النسويات.

من منا سينسى يوماً اللاجئات السوريات في المدن العربية والغربية، اللاتي يتململن من الشفقة أو القبوع في المخيمات، واللاتي يفاجئننا باسماتٍ، وهن يعملن ويطهون ويبعن ويتنقلن ليعلن أسرهن، من دون كلل أو ملل.

نعم لهؤلاء، قبل الوزيرات ورائدات الأعمال، قبل الأميرات والسفيرات، قبل الخبيرات والسياسيات، أصبح ليوم المرأة العالمي صدى عربي، صنعته أولئك النسوة، صنعته بالكتابة والتظاهر والإعالة والتمريض والمساندة القانونية والحملات الدعوية عن الحقوق والحريات المهدورة، وجمع التبرعات والتدريس في المخيمات والسفر والتنقل، من دون شكوى. أخيراً، أصبح للمرأة العربية رواية بطولة خاصة لترويها؛ رواية تتجاوز المعاهدات الدولية، مثل السيداو أو أهداف الألفية التنموية عن ضرورة مشاركة المرأة وتمكينها سياسيا؛ رواية تسخر من التعاطف البلاغي والتنويري؛ رواية تتحدّى كل الدواعش، السافرين منهم أو المتدثرين بثياب التحديث؛ رواية تقول نحن النسوة حاربنا نسوةً، ولعبنا لعبة الحرب مثل الرجال، وتحمسنا للمواجهات الميدانية، مثل الشباب، ولعبنا دور المعيلات لذوينا بكل حماس: بعنا واشترينا، فزعنا وفررنا وعشنا الفقد والترحال والفقر، طلباً للحرية، ولمستقبلٍ عادل، ولم نسمح للسرديّات الكبرى بسحقنا، أو تدجيننا ضمن شعارات جوفاء عن أولوية الإيمان بالوطن أو بالقومية العربية. صرنا أخيراً ذواتٍ تمتلك صوتاً: صوتاً لم نكسبه فقط بالتعليم، أو بموروثاتنا المادية والرمزية؛ صوتاً لم تتصدّق به حكوماتنا علينا، وإنما حفرناه في الصخر، بفعلنا المقاوم يوماً بعد يوم، وبمثابرتنا بعيداً عن تسويات المال والسلاح واقتسام الغنائم. صرنا بطلات قصتنا، وما زلنا كذلك، ولم يعد في مقدوركم أن تسجنوننا في أدراجٍ معقمةٍ تفصل الأمهات عن الشهيدات، والفقيرات عن المثقفات والمهاجرات عن الفنانات. إننا كيان يتنقل، بخفةٍ وصمودٍ بين كل هذه الأدوار، نربط علي جراحنا ونكمل المسار... فمن أنتم لتدركوا المعاني الكثيرة، التي أصبحت تتدثر بالمؤنث العربي؟ 

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018