"شوكولا".../ معن البياري

"شوكولا".../ معن البياري

تضطرّنا الجريمة الإرهابية في بروكسل، وكذا سابقتها في باريس، إلى التعرّف على شأن المهاجرين الذين توطّنوا في أوروبا، ولا سيما المسلمين من أصولٍ عربيةٍ في بلجيكا وفرنسا، إذ تدلُّ قرائنُ منظورةٌ على اقتراف شبّانٍ منهم التفجيرات في العاصمتين. وقد بتنا نُلاحق النتف المتيسّرة عن البلجيكيّيْن، إبراهيم البكراوي وشقيقه خالد البكراوي، وعن الفرنسي صلاح عبد السلام، وثلاثتهم من أصولٍ مغربية. نُطالع عن هؤلاء "النجوم" الجدد هناك، وقد ولدوا وعاشوا في بلجيكا وفرنسا، وخوفنا من أن يزيحوا عن أفهام مواطني البلدين أن مسلمين، عرباً مغاربيين وأفارقة، لمعوا في نجاحاتٍ كبرى، في الفنون والرياضات والعلوم، أمثلةً. وليست الإحالة إلى هؤلاء المبدعين، هنا، بمناسبة ما يُتّهم به عبد السلام والأخوان البكّاري من جرائم مدانة ومرذولة، وإنما فيلمٌ فرنسيٌّ جديد، رهيفٌ وجذّاب، بدأت عروضه قبل أسابيع في باريس، من إخراجِ فرنسيٍّ مغربي الأصل من أسرةٍ مهاجرة، يؤدي دور البطولة الرئيسي فيه نجمٌ فرنسي، من أم موريتانيةٍ وأبٍ سنغالي، عن مهرّجٍ إفريقيٍّ عاش في فرنسا، وصار من صنّاع البهجة في باريس سنواتٍ، توفّي في 1917، وصدر عنه أخيراً، بالتزامن مع عروض الفيلم، كتابٌ لأستاذٍ فرنسي في العلوم الاجتماعية، مختصٍّ في الهجرات وتاريخها. 

هو فيلم "شوكولا"، تغشاك، بعد مشاهدته، زوبعةٌ من مشاعر خاصّة، ويجعلك مدفوعاً إلى معرفةٍ أوفى عن ذلك العبد الأسود، رفاييل باديللا، الذي جيء بأسرته إلى كوبا، ثم اشتراه، في العاشرة من عمره، تاجر إسباني. وفي أوروبا، صار خادماً ومهرّجاً في بلدةٍ نائية، ثم أقنعه مهرّج أبيض بأن يشكّلا ثنائياً، يقتنع بهما لاحقاً صاحب مسرح في باريس، يأخذهما إليها، ويصبح نجماً شعبياً شهيراً في عروض السيرك في العاصمة الفرنسية عشرين عاماً، يتمتع في أثنائها بالمال والسهر ولعب القمار. ولكن، ظلّت أسئلةٌ تُناوشه عن حاله، يُمتع الجمهور بركلاتِ زميله الأبيض على قفاه، وبأن يتشقلب، وبأن يتم رسمه قرداً في الملصقات. تسجنه الشرطة، ويُعامل بقسوة، لعدم وجود أوراقٍ ثبوتية لشخصه، ويتم تذكيرُه بأنه عبدٌ مُشترى، وبأن لقبه شوكولا لسواد بشرته. توجِعه هذه العنصرية بصمتٍ أحياناً، وبتبرّم وغضبٍ أحياناً أكثر. يقنعه صنوٌ له بأن في وسعه أن يصير فناناً على المسرح، طالما أنه ممثلٌ موهوبٌ. يحاول ذلك في تأدية دور "عطيل"، بعد أن "يتمرّد" على شريكه الأبيض في ثنائيتهما بأن يسدّد له ركلةً على قفاه، لإقناعه بأن اللعبة تجوز في الحالتين. لا يستقبل الجمهور أداءه على المسرح بما يشتهي، فالعنصرية الطاغية في زمن الاستعمار ذاك أقوى، وإذ يُسجّل أن شوكولا كان أول أسود يقف على خشبة مسرحٍ في باريس، إلا أن ذلك لا يوفّر له الانعتاق الذي تمنّاه، فغادر متزوجاً من امرأةٍ بيضاء أحبّته إلى بوردو، ثم مات متأثراً بالسّل، عن خمسين عاماً. 

أتقن الفرنسي، السنغالي الأصل، عمر سي، أداءه دور هذه الشخصية المثيرة، المعقّدة والمتناقضة والصعبة، وهو فنانٌ كوميدي شهير، وصلت شعبيته بين الفرنسيين إلى مرتبةٍ أولى قبل ثلاث سنوات. وأجاد الفرنسي، من أسرةٍ مغربية مهاجرة، رشدي زم، إخراجَه الفيلم الذي نجح في إشاعة ألفةٍ مع حكايته وأجوائه الريفية، ثم الباريسية المستعادة من أوائل القرن الماضي، وفي الإيحاء إلى فظاظة العنصرية، وإلى دفء فرنسيين متحضّرين، إنسانيين في نبذها أيضاً. ونجح أيضاً في الإحالة إلى مسألة العبودية وتفشّيها في ماضٍ أوروبي استعماري معلوم. تُشاهد الفيلم، فتأخذك واقعيّة أحداثه البعيدة إلى راهن فرنسا وبلجيكا، وعموم أوروبا ربما، حيث مسألة المواطنين من أصولٍ مهاجرة، ولا سيما العربية والإفريقية، تصير قضيةً أمنيةً مقلقة، في جوانب منها، بسبب الإرهاب وأفعاله السوداء. تبتهج بمنجز رشدي زم وعمر سي، وهما من أبناء ضاحيتيْ مهاجرين في باريس. وتُربكك الأخلاقية الرفيعة في تقديم فرنسا هذا الفيلم في تظاهرةٍ فرنكفونيةٍ في الدوحة، بل وبتقديمٍ من السفير الفرنسي نفسه... مشكوراً!

اقرأ/ي أيضًا | بضاعة إسرائيلية لبروكسل../ رامي منصور

(العربي الجديد)

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية