توحش السياسة

توحش السياسة

رامي منصور

نشرت مؤخرًا وكالة 'رويترز'  تقريرًا لم يلفت انتباه العديد من المحللين والصّحافيين رغم أهميته، يكشف أن خطاب المرشح دونالد ترامب في مؤتمر منظمة 'إيباك' اليهودية الأميركية، قبل شهر تقريبًا، صيغ 'بوحي' من محادثة هاتفية أجراها السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون درمر، مع صهر ترامب ومستشاره، جيارد كوشنير، الذي صاغ الخطاب ذاته. وجاء الخطاب متماهيًا إلى حدّ كبير مع خطاب بنيامين نتنياهو، بمعظم القضايا السّياسيّة والأمنيّة، بدءًا بالنّووي الإيرانيّ وصولًا للقضية الفلسطينية وتعهّد ترامب بنقل السّفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، بحال فوزه بالرئاسة الأميركية.

يكشف بين ما يكشفه هذا التقرير مدى العلاقة الوطيدة بين اليمين الإسرائيلي، المتمثّل بنتنياهو، وبين اليمين الجمهوري واليمين المتطرّف في الولايات المتحدة الأميركيّة، ومدى تأثير الأوّل على خطاب الثاني وليس العكس، إلى درجة تبنّي اليمين الأميركي ورموزه مواقف نتنياهو والليكود. ويعود هذا التأثير إلى فترات سابقة، أبرزها عهد جورج بوش الابن والمحافظين الجدد الذين تبنّوا مواقف أريئيل شارون والليكود بشكل شبه تام، ليفوقوا بذلك صهيونية شخصيات مثل دنيس روس وغيره من المحسوبين على الحزب الديمقراطيّ.

والعلاقة بين اليمين الإسرائيليّ والأميركيّ تحمل أبعادًا دينيّة عقائديّة متطرّفة تصل إلى حد التحالف الدموي أو التحالف الدنس. لكن هذه العلاقة حافظت طيلة العقدين الأخيرين على قاسم مشترك على مستوى الأفكار والعقيدة، وليس على مستوى الخطاب الإعلاميّ والجماهيريّ المباشر لدى المرشّحين الجمهوريّين، وفي هذا المجال يمكن القول إنّ قناة 'فوكس نيوز' كانت السّباقة بتبني الخطاب الليكودي الأكثر تطرفًا وشعبوية.

ويبدو أن إسرائيل تتقدّم على الولايات المتحدة بأمر قد يكون الوحيد، وهو اللغة العنصرية والفظّة في خطاب اليمين الإسرائيلي المباشر، الذي يمثله بنيامين نتنياهو أفضل تمثيل، ولا يتوقّف عند حد التحريض على العرب على وجه الخصوص، والأقليّات عمومًا، بل أيضًا في العداء للديمقراطية، ونتنياهو في هذا المجال سبق الحزب الجمهوري وترامب بنحو عقدين. إذ أن خطابات ترامب تبدو وكأنّها مقتبسة من خطابات نتنياهو في العام 1999 وفي العام 2015، والتي هاجم فيها وسائل الإعلام الإسرائيليّة في خضمّ معركته الانتخابية لرئاسة الحكومة أمام منافسه إيهود براك. فها هو ترامب يتنبى الخطاب ذاته في معركته الحالية. كذلك الحال في التعامل مع 'دول الجوار'، إذ تعهّد ترامب ببناء جدار على طول الحدود الأميركية – المكسيكية، ناهيك عن تصريحاته بأنه 'عندما ترسل إلينا المكسيك أبناءها لا ترسل أفضل الناس. أنهم يرسلون الذين يطرحون المشكلات وينقلون معهم المخدّرات والجريمة. إنهم مغتصبون... سأبني جدارًا عاليًا على حدودنا الجنوبيّة وستدفع المكسيك كلفة بنائه. تذكّروا ذلك جيّدًا'.

وهذا ما يؤكّده مستشار ترامب للشؤون الإسرائيلية، جيسون دوف غرينبلت، الذي قال لإذاعة الجيش الإسرائيليّ قبل أيام إنّ 'المناخ السياسي في إسرائيل أسوأ بكثير من المناخ السياسي في الولايات المتحدة... نحن الآن نقوم بتقليص الفارق نوعًا ما'.

ولخبرة نتنياهو في صناعة الكراهية والرعب مريدون كثر، فقد تبيّن أن أحد مستشاريه في الانتخابات الأخيرة فاز بجائزة دولية للمستشارين الإستراتيجيين في الحملات الانتخابية وأنه يعمل مع مرشحين في عدة دول مثل كامبوديا والبرازيل. وقد أورد هذا المستشار مثالًا لمدى نجاح خطاب الكراهية والرعب بأن أحد الأحزاب اليسارية في دولة أوروبية شرقية صغيرة تبنى إستراتيجية انتخابية في صلبها التحريض على اللاجئين من الشرق الأوسط رغم أن لاجئًا واحدا لم تطأ قدمه هذه الدولة، لكنه، أي الحزب، أراد استنساخ، تجارب اليمين 'الناجحة' في أوروبا بالفوز بالانتخابات من خلال صناعة الكراهية والرعب من 'خطر اللاجئين' الداهم.

'اليأس من السياسة القديمة'

لا يعتبر هذا الانحدار في الخطاب السياسي في المنافسة الأميركية الراهنة، استفادة من خبرة نتنياهو في صناعة الرعب في وعي الجماهير، ولا تقليدًا لديماغوجية الأنظمة الفاشية الأوروبية عشية الحرب العالمية الثانية، ولا تعبيرًا عن 'خطاب الكراهية وسياسة الهويات'، بل يفوق ذلك بكثير، فهو مجبول بفساد ماليّ ونجومية فردية جوفاء، لكن الأخطر هو 'توحّش السياسة'، أي اعتبار المنافسة الانتخابية أو السياسية غابة ملؤها وحوش وصراع البقاء بين أفرادها، يستدعي تجاوز كل المحرّمات السياسية والأخلاقية. كما أنها تبدو بنظر ترامب كأنها موسم آخر من  أحد برامج 'تلفزيون الواقع' (REALITY TV) لكن مع ضحايا حقيقيين، هي الأقليات والقيم الديمقراطية، ويصبح فيه مصطلح مثل الأمن القومي وسيلة من بين وسائل عدة تستغل لإلهاب الجماهير وتحريضها. ومثلما تشارك جماهير المشاهدين مشاركة فعالة و 'من جيبها' ببرامج 'تلفزيون الواقع'، عبر إرسال الرسائل القصيرة للتصويت لأحد المشاركين، فإن اللافت أن من بين المؤيدين لترامب قطاعات واسعة من 'أبناء الأقليات' التي يحرض ضدها، وتفعل ذلك عن 'طيب خاطر' تمامًا مثلما يرسل المشاهدون بعشرات وربما بمئات الرسائل النصية المكلفة للتصويت لصالح 'محبوبها' في البرنامج.

يعزو البعض توحّش السياسة هذا إلى 'اليأس من السياسة القديمة'، والحقيقة هي أن السياسة القديمة هي ذاتها التي ترفع رأسها هذه الأيام، فالتجربة الأوروبية في القرن العشرين لا تزال ماثلة بالأذهان، واستهداف الأقليات لم يتبخّر يومًا.

يبقى أملنا أن تكون نهاية هذا الموسم على غرار نهايات البرامج التلفزيونية 'الواقعية'، لأنّ الأمور تجاوزت مرحلة الاستعراض (SHOW).

(rami.m@arab48.com)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018