الوعي الفردي ككاسحة ألغام

الوعي الفردي ككاسحة ألغام

رامي منصور

قبل اختراع أو تأسيس علم النفس بقرون، شغلت قضية الوعي حيزا واسعًا أو الحيز الأساسي في سجالات القرن السادس عشر والسابع عشر على طرفي قناة المانش. وإذا ما أردنا توخي الدقة، فإن هؤلاء الكبار جعلوا من الوعي والإدراك والأحاسيس مفتاحا لتفسير الظواهر الجلية والخفية، وما 'أنا أفكر إذًا أنا موجود' إلا إعلان البداية لسجال لم يحسم حتى اليوم.

وثمة أهمية لهذا السجال تتجاوز ما ذكرناه، وتحديدًا في سياقنا الراهن، ليس في بعده النظري، بل إلى معادلة هامة توصل إليها هؤلاء الكبار قد تكون أهم من الجملة الديكارتية المذكورة أعلاه، وهي أن لا وعي بلا وعي ذاتي - فردي، وقد جرى اشتقاق هذه القاعدة حتى الوصول إلى قاعدة سياسية جديدة مفادها أن الفرد يسبق الجماعة وأنه إذا كان الفرد ناقصًا فليس الجمع ناقصًا، بل مستحيلاً وزائفًا وغير مكتمل.

ولأن للوعي مكانة خاصة لدى الفلسطيني، فهو مرتبط بالهوية والذاكرة الجماعية والمكان والأرض، فلا بد من التطرق إليه ولو بصورة موجزة وسريعة كما الحال ههنا.

أحد أسس الوجود الفردي أو الجماعي هو الوعي، الوعي بما حصل في الماضي، والوعي بما يحصل راهنًا، ودون ذلك يبقى الوعي أجوف. فمعادلة الوعي ومركباته مثل الإدراك والتفكير والإحساس تبقى حبرًا على ورق إذا لم تكن في سياق تاريخي أو صيرورة.

فبعد إيضاح المصطلح وتعريفه، بالإمكان التقدم خطوة إلى الأمام وربطه بواقعنا العربي والفلسطيني  للتأكيد على أن وعي الفرد أهم ويسبق وعي الجماعة، وأن الفرد ليس مجرد كاسحة ألغام في طريق بلورة أو صناعة الوعي الجماعي، بل هو، أي الفرد، جوهر الوعي ويسبق الجماعة، وغير ذلك من معادلات جربت وأتت بكوارث نعيشها اليوم بكل الاتجاهات. فما زالت أنظمة عربية تدعي أنها 'أوعى' من الفرد في تحديد مصالحه وقراره ومستقبله، وهي أنظمة 'ثورية' روجت أن الانتظار حتى تحقيق الوعي الفردي عائق أمام الحتمية التاريخية أو حتمية التحرر، وأنه تحصيل حاصل.

هكذا تحولت صناعة الوعي الوطني والقومي إلى أداة لتغييب الوعي الفردي واستئصاله، وما الحديث عن الـ'طليعة' إلا تسمية تجميلية لمصادرة الوعي بعد مصادرة المكان والثروات، ليصبح أي حديث عن وعي ذاتي فردي خيانة أو 'كماليات' برجوازية في أحسن الأحوال.

وقد يكون ماركس وحده قد التفت إلى هذه المعضلة، لكن شمولية فكره داست الفرد عند أقرب محطة تاريخية، إذ تبيّن أن صناعة الوعي الفردي يتطلب صناعة وعي وطبقي، والصناعة بحاجة إلى ماكينة وإلى أزرار تحكم وسيطرة حتى تعمل بدقة وإحكام، أي بحاجة إلى نظام قوي.

خلاصة القول، إن صناعة الذاكرة الجماعية والوعي الوطني، العربي والفلسطيني، شرطها الأساسي الوعي الفردي الذي شرطه الأساسي هو كرامة الفرد أولا وأخيرًا، وكرامة الفرد من حريته، وحرية الفرد لا تتوفر إلا بالإرادة الحرة، وفي سياقنا بوطن سيادي ونظام ديمقراطي، وهي التعبير الحقيقي عن الوعي الحقيقي، غير ذلك من أحاديث عن وعي تحرري هي تفرعات للأساس.

دون إدراك وإيمان بضرورة توفر الوعي الفردي وقدرة الفرد على التحرر، أي احترام الفرد كفرد يبقى الحديث عن صناعة الوعي الجماعي فصلا من فصول الفاشية أي وصفة فاشلة منتهية الصلاحية، لأن أي فكرة لا يكون الفرد جوهرها تصبح مستبدة حتى لو كانت غايتها نبيلة، ونهايتها معروفة سلفًا.

أما الحديث عن صناعة الوعي الفردي الحر والوطني، فهو أطول ويتجاوز هذه المساحة. لكن إذا كان هناك من يرى أن الوعي الفردي كاسحة ألغام في خدمة الوعي الجماعي، فإن الاعتقاد الموازي يرى أن الوعي الفردي وسيلة تحرير للوعي الجماعي.

(rami.m@arab48.com‬)

اقرأ/ي أيضًا | إسرائيل تستغل الأزمة السورية لانتزاع شرعية دولية لضم الجولان

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة