عشية المؤتمر السابع

عشية المؤتمر السابع

عوض عبد الفتاح

عشية المؤتمر السابع: مشروع كبير فكرته رسخت وتنفيذه مرهون بالقدرة على التجديد

 

 أقرت اللجنة المركزية للتجمع، في اجتماعها المنعقد 2016/4/16-15 البيان السياسي، والبيان التنظيمي المقدم إلى المؤتمر السابع. والبيانان موجودان الآن بين أيدي أعضاء الحزب لقراءتهما ونقاشهما وتقديم الاقتراحات.

 وقد جاء البيانان على مختلف القضايا السياسية والاجتماعية، المحلية، والفلسطينية العامة، والعربية، والإسرائيلية والدولية. كما استعرض البيان التنظيمي بالتحليل والنقد مسيرة الحزب التنظيمية والجماهيرية منذ المؤتمر السادس لعام 2011.

 وقدّم البيان التنظيمي مجموعة توصيات وتصورات، لإقرارها في المؤتمر، لكيفية تعزيز إنجازات الحزب الوطنية والسياسية والثقافية والكفاحية، ولكيفية تصويب أخطائه وقصوراته. وهي تحديات وواجبات ستقف أمام الحزب، ومن خلال مؤسساته المنتخبة في المؤتمر السابع أوائل شهر حزيران 2016/6/4-3-2. وكان من أبرز ما ركز عليه البيان دور الجيل الشاب في الحزب والتوجه بدفع المزيد من طلائعه إلى الصفوف الأولى ضمن الرغبة والوعي بضرورة التسريع بالتجديد. وأعتقد أن لدى حزبنا فوجا كبيرا ونوعيا من طلائع هذا الجيل، وهذا ليس ذخراً لحزبنا فحسب، بل وأيضاً لمجمل الحركة الوطنية.

الحزب السياسي

الحزب السياسي ثمرة الحضارة الحديثة، وبالتحديد ثمرة الثورة الصناعية وما رافقها من تحولات اجتماعية، فكرية، ثقافية وأيديولوجية في أوروبا ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر.

 وبعيداً عن الخوض في تباينات الطيف الحزبي الواسع الذي ظهر آنذاك وتطور وتحول على مدار أكثر من قرنين من الزمان، وصولاً إلى الوضع الراهن، وما طرأ من تحولات على بُنية الأحزاب وتوجهاتها، وسلوكها، وعلاقتها بالبيئة التي أفرزتها أو التي أُسقطت عليها، فإن الحزب تحول إلى ركن أساسي في الحياة السياسية الحديثة، وشرط المجتمع الديمقراطي، والدولة الديمقراطية. إنه باختصار بات أداة التغيير والتجديد السياسي والثقافي في المجتمع والدولة.

 إن بيئة الأحزاب والحركات الفلسطينية ليس بيئة دولة وطنية تتنافس فيها الأحزاب على الوصول إلى السلطة. فالدولة/ الكيان الفلسطيني تم تدميره على يد الحركة الصهيونية الاستعمارية عام 1948، وتم تشتيت الحركة الوطنية الفلسطينية التي قامت في فترة الانتداب البريطاني. بعد النكبة تجددت حركة التحرر الوطني الفلسطينية وتشكلت تنظيمات وفصائل في دول اللجوء العربية هي فصائل مقاتلة، رفعت شعار تحرير الوطن،. كما نشطت امتداداتها، الفصائلية، داخل الأرض المحتلة عام 1967. فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في تحرير أي جزء فلسطيني، ولكنها تمكنت من إعادة توحيد الشعب الفلسطيني، وبناء هويته الوطنية، وبالتالي أحبطت مخطط الصهيونية الذي استهدف شطب شعب فلسطين من التاريخ بعد أن سيطرت كلياً على الجغرافيا.

 في مواجهة المأزق الطاحن الذي تواجهه الحركات والفصائل الفلسطينية المتآكلة والمتضعضعة فكراً وأداء وبُنية في ظل عقيدة أوسلو التدميرية، يبقى هذا الإرث الثقافي المعنوي الذي جٌبل بالتضحيات الجسام، ذخيرة إستراتيجية يستند إليها طلائع الجيل الفلسطيني الجديد لتجديد المشروع التحرري الآخذ في التشكل من جديد خارج الأطر القائمة.

 داخل الخط الأخضر (إسرائيل)، وبعد النكبة، نشأ الحزب السياسي الفلسطيني ضمن المواطنة الإسرائيلية (حزب عربي-يهودي). والحركات والأحزاب التي حاولت بداية دخول معترك اللعبة السياسية خارج المواطنة اصطدمت بقيود القمع والإقصاء. مع ذلك تمكنت هذه الحركات من زرع بذرة الرفض الجذري للصهيونية وأيديولوجياتها، وتنمية أوساط من الأجيال الجديد في الجامعات تحديداً، تحمل فكرة المستقبل، وتُجسد الارتباط مع فلسطين كأرض وكشعب. ومنذ أواخر الثمانينيات تمكنت طلائع الأجيال الجديدة المتعلمة- والوطنية من هضم التحولات الاجتماعية- السياسية وتعقيداتها وتناقضاتها في الواقع الإسرائيلي، وأعادت بناء الحركة الوطنية على أسس جديدة.

 حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي أنشأناه عام 1995، بعد نقاش امتد لأكثر من ثلاثة أعوام، شكل محاولة سياسية- وطنية فريدة في الجمع بين التناقضات، والتي حولها إلى عنصر تحدّ للدولة اليهودية، وفي إعادة وتجذير بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، والهوية القومية العربية، بعد أن كادت اتفاقية أوسلو (1993) أن تفتح الباب واسعاً أمام الأسرلة والتشوه القومي. كان نشوء الحزب إلى حد كبير، رداً على أوسلو، وفي الوقت ذاته زبدة التجربة السياسية الفلسطينية داخل الخط الأخضر.

 تحول التجمع بعد سنوات قليلة، إلى تيار مركزي جاذب، تلتف حوله أوساط شعبية ومثقفة واسعة. ولفت هذا الحزب أنظار أوساط مثقفة معتبرة في فلسطين وخارج 'الخط الأخضر'، وكذلك في العالم العربي، إلى المعادلة السياسية الجديدة التي طرحها وما تضمنه من تجديد في الفكر السياسي وفي المساهمة النوعية في إعادة إشعال الحمّية  الوطنية عند فلسطينيي أل48، في فترة انحسار وتكلس.

 أصبح التجمع، رغم قراره دخول انتخابات الكنيست بعد تردد طويل، ودراسة معمقة لأبعاد هذا الخيار، أكثر الأحزاب استهدافاً من المؤسسة الإسرائيلية وأذرعها. بل تحول إلى الحزب الوحيد الذي يتعرض لحملات تحريضية ضارية، وإلى محاولات متكررة لشطب حقه من الترشح لانتخابات الكنيست.

 منذ انطلاقه جرت مياه كثيرة في النهر. أحداث جسام حدثت على ساحة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي: اشتعلت الانتفاضة الثانية، وامتدت إلى داخل الخط الأخضر لعدة أيام، وسقط شهداء وجرحى وعلى ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي، وهربت إسرائيل من لبنان أمام المقاومة اللبنانية، وفي عام 2006 حدثت حرب  ضد لبنان وصمدت المقاومة، وأخيراً الثورات العربية والتي أدهشت العالم في أشهرها الأولى، قبل أن يُصدم بوحشية أنظمة الاستبداد.

نستعرض هذه الأحداث لكونها أحدثت تغيرات كبيرة وأفرزت معطيات جديدة، في الوعي، وفي داخل البيئة الفلسطينية والإسرائيلية والعربية المحيطة. كما أحدثت تغيرات في الوعي العام على ساحة فلسطيني ألـ48.. في مجتمع الجليل والمثلث والنقب. وكما ولدت تحديات  ومخاطر جديدة.

لماذا صعد الحزب سريعاً في بداياته، ولماذا أُستُهدِفَ أكثر من غيره؟

  يمكن تلخيص أهم أسباب صعوده، وأهم أسباب استهدافه بما كتبه رئيس الشاباك السابق، عامي أيالون، بعد تقاعده، عام 2001، 'لقد تجاوز عزمي بشارة وحزب 'بلد' (التجمع) الخطوط الحمراء؛ فهما لا يعترفان بحق اليهود في دولة خاصة لهم، ولذلك يجب تقديمهما للمحاكمة'. ويُنسب له ولغيره قولهم إن التجمع نجح في نقل خطاب دولة المواطنين من هامش المجتمع إلى مركزه. كانت أول مواجهة في المحكمة حول القضية الأيديولوجية، عام 2003 حيث قالت ممثلة نيابة الدولة، تاليا ساسون، في جلسة المحكمة، 'إن الخطر في هذا الحزب أنه يطالب بالمساواة الكاملة'. ولسان حالها وحال المؤسسة الصهيونية يقول: المساواة الكاملة تعني سقوط الصهيونية والامتيازات المخصصة لليهود. ولسان حال التجمع يقول: المساواة الكاملة هي العدالة والعيش المشترك في هذا الوطن على أنقاض العنصرية والكولونيالية.

 نعم، السبب الرئيسي الذي أقلق ويقلق نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، هو أن التجمع يطالب بدولة المواطنين على أنقاض النظام العنصري. يطالب بالمساواة الكاملة لجميع من يعيش على هذه الأرض ومن شرد منها بالقوة والعنف عام 1948. هو مطلب وطني لأصحاب الأرض الأصليين، ومطلب ديمقراطي إنساني يدعو إلى العيش المشترك بدون عنصرية، بدون صهيونية وكولونيالية. لقد رأى النظام الإسرائيلي الالتفاف السريع والمتزايد حول هذه الفكرة الجديدة، وحول حزب الطليعة السياسية.

انتبه بعض المثقفين اليهود المناهضين للصهيونية أنه للمرة الأولى يظهر حزب عربي قومي، ببعد ديمقراطي إنساني، ويحمل رؤية إستراتيجية لحياة مشتركة تقوم على تصفية جذور العنصرية والكولونيالية. أي البُنية العنصرية.

 إن الديمقراطية تشمل حق المواطنين في ممارسة انتمائهم الوطني القومي ولحقوقهم الجماعية. وأما ترجمة الهوية الوطنية للفلسطيني حامل المواطنة الإسرائيلية فإنها لا تتم فقط عبر التمسك بالرواية الوطنية الفلسطينية وتربية الأبناء عليها والمشاركة في مسيرات العودة وإحياء المناسبات الوطنية، والنضال من أجل تجسيد ذلك في مؤسسات ثقافية مستقلة فحسب، بل أيضاً في التفاعل مع نضال الشعب الفلسطيني التحرري، والنضال العربي التحرري.

ففي إطار ممارسة هذا الموقف، مثلاً، عبّر عزمي بشارة في خطابه في أم الفحم، عام 2000 عن غبطته للنصر الذي حققته المقاومة اللبنانية في دحر إسرائيل عن لبنان، عن مشاعر كل فلسطيني وكل عربي، وعن برنامج وهوية التجمع الوطني الديمقراطي. كان هذا التصريح أو بالأحرى الموقف القومي، سبباً وراء حملة إسرائيلية شعواء ضد عزمي بشارة قادته إلى المحكمة. أما تأييد التجمع لحق الشعوب العربية ضد أنظمة الاستبداد الوحشية والإجرامية فإنه ينسجم مع مبادئ الحزب الديمقراطية.

 كما أن التماثل مع أهداف الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وانخراط التجمع في المظاهرات العارمة داخل الخط الأخضر، بكل قوة، كان أيضاً سبباً في حملة تحريض قادها الشاباك نفسه علناً، الذي أصدر بياناً رسمياً آنذاك وسمّى التجمع بالاسم أنه وراء هذه الأحداث، قائلاً إن قياداته ونشطاءه شوهدوا في مقدمة المظاهرات في العديد من المواقع.

 كان كل هذا سبباً في التحريض، ولكنه كان هذا جزءاً من هوية التجمع السياسية والوطنية والقومية، كما أنه واجب قيادات وكوادر وأعضاء حزب التجمع أن يكونوا مع شعبهم. لقد مثل هذا الموقف والممارسة تجسيداً للعنفوان الوطني الذي كان ينمو بسرعة وبوتيرة عالية في صفوف هذا الحزب، وكان ذلك تماشياً طبيعياً مع الحركة النضالية البطولية لشعبنا الفلسطيني في كل فلسطين، وتفاعلاً مع نضال عشرات آلاف الشباب الذين اجتاحوا شوارع مدن وقرى الجليل والمثلث والنقب على مدار الأسبوع الأول من أكتوبر 2000.

 كل ذلك شيّد قاعدة بشرية، وطنية، واعية، وصلبة تقود النضال، وتغذي الأجيال الصاعدة التي تلتحق تباعاً في الحركة الوطنية، وفي حمل الراية.

إخفاقات فلسطينية وتحولات في المشهد الإسرائيلي

  واصل التجمع الصعود والتوسع، وحقق إنجازات انتخابية  هامة، وفاجأ المراهنين على تراجعه في كل انتخابات للكنيست. كما فاجأ الحزب الخصوم والمشككين بقدرة الحزب على الاستمرار والتطور بعد المؤامرة التي حاكتها إسرائيل ضد عزمي بشارة عام 2006، وأدت به إلى مغادرة الوطن والاستقرار في المنفى.

 لقد ترسخ الحزب في أوساط شعبية واسعة من أبناء شعبنا في الداخل وأنشأ جيلاً وطنياً مثقفاً، وصلباً ومتيناً. ولكنه واجه صعوبات في تأطير كل هذه النضالات العارمة، وفي استثمار المكانة الوطنية والجاذبية الوطنية والفكرية التي نمت في السنوات الأولى وحتى أواخر العقد الماضي. أو في هيمنة خطاب دولة المواطنين والمواطنة 'الكاملة والهوية القومية'، وترجمتها إلى إنجازات تنظيمية بحجم اتساع الخطاب وهذا يعود إلى أسباب عدة:

أولا: المناخ الذي ولّده إخفاق الانتفاضة الثانية في تحقيق أهدافها. هو إخفاق يعود إلى سوء إدارتها، وإلى مستوى القمع الوحشي الذي اعتمدته حكومة شارون، وقد ترك آثاراً معنوية سلبية للغاية، أعادت حركة النضال الفلسطيني إلى الوراء، وعزز هذا التراجع الخطير سلطة أوسلو عبر تنسيقها الأمني مع الاحتلال. وهذا المناخ، بطبيعة الحال يُضعف المزاج العام المحيط بأي حركة وطنية مناضلة، وتُصعب العمل السياسي وتعيق تحقيق التوسع.

ثانياً: تصاعد  قوة اليمين الصهيوني وتغلغله داخل مؤسسات الحكم وازدياد العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، بما فيها فلسطينيي الـ48. وأيضاً صدور قوانين وممارسات لتقييد حرية العمل السياسي. بل صدرت قوانين خصيصاً لمواجهة ما يطرحه التجمع، مثل القوانين التي تشدد على يهودية الدولة، وتحد من نضال الشعب الفلسطيني، وضد زيارات أعضاء الكنيست لدول تعتبرها  إسرائيل 'دول عدو'. وكان القانون المذكور الأخير، مخصصاُ ضد عزمي بشارة الذي رأت المؤسسة بزياراته للدول العربية، سورية، ولبنان تحديداً، تعزيزاً للتطرف القومي داخل الخط الأخضر.

 حملات التحريض والملاحقة ومحاولات الشطب المتكررة ضد التجمع هدفت إلى ترهيب الناس وتضييق قاعدته الجماهيرية. وقد اضطر الحزب طيلة هذه الفترة إلى الرد على الحملات المتواصلة للحفاظ على وجوده، وهذا استغرق الكثير من الجهد والوقت، على حساب مشاريع بنائية حزبية ووطنية عامة كان يطمح لتنفيذها. لكن بلا شك فإن هذه الحملات ساهمت في تقوية وترسيخ وتصليب عود الحزب وكوادره. هذا ما ميّز الحزب وكوادره؛ وضوح الموقف السياسي، والاستعداد لتحمل عبء النضال.

ثالثاً: حملات الخصوم من الأحزاب السياسية، داخل الخط الأخضر، وهي الأحزاب التي رأت في نمو التجمع وانتشار فكره تهديداً لتوجهاتها التقليدية.

رابعاً: تحوّل الثورات العربية إلى حروب أهلية وطائفية بعد أن أقدمت أنظمة الاستبداد على البطش الوحشي بها وبقيادتها، مما فتح الباب أمام التدخلات الخارجية ودخول القوى الجهادية الإجرامية. كل ذلك ساهم في نشر اليأس والتخبط والإحباط والعزوف عن العمل السياسي.

خامساً: العامل الذاتي القيادي

 نتحمل نحن في قيادة الحزب، المسؤولية عن عدم القدرة على تحقيق إنجازات أكبر، كما ارتكبنا أخطاء في هذه المسيرة، أثرت سلبياً على تقدم الحزب. وتدور داخل الحزب نقاشات ومداولات مستمرة، وهامة حول كيفية إصلاحها وتصويب الطريق. وليس هنا المكان المناسب لإثارتها. والأخطاء أو القصورات تتعلق بالأداء التنظيمي الحزبي والإعلامي، وكذلك بالقصور في توسيع قاعدة الحزب.

ما يُميز التجمع

لا يوجد حزب غير حزب التجمع، يتبنى بصورة جدية، ومبدئية مشروعا ثقافيا- سياسيا وطنيا شاملا. هذه الرؤية هي المواطنة الكاملة، المشروطة بإلغاء يهودية الدولة، وتنظيم المجتمع العربي. هناك أحزاب أخرى باتت تتبنى هذه المبادئ والأهداف، ولكن بطريقة خجولة. أما التجمع- لا يتحدث عنها فحسب، بل يقوم بصورة منهجية بالتربية عليها داخلياً، وينشئ عليها الأجيال الشابة وكوادره، ولديه أدبيات واسعة مكتوبة بهذا الخصوص. ولذلك لدينا أجيال تحمل الفكرة بوضوح تام، ويُعبر عنها بقوة وبجرأة. ومن هنا ننطلق إلى المستقبل.

لا يحمل التجمع مشروعاً ثقافياً- سياسياً- وطنياً كبير لعرب الداخل فحسب، بل يحمل رؤية سياسية لمستقبل الشعب الفلسطيني، ولحل المسألة اليهودية في فلسطين. كما لا يحمل نظرية سياسية متماسكة وحسب، بل يترجمها بوضوح تام، وبمسؤولية، عبر التصريحات والكتابات وعبر الممارسة الميدانية، وعبر التثقيف المنهجي.

 إن موقفه من يهودية الدولة والصهيونية، واضح وصريح ولا يخفيه في المقابلات الإعلامية ولا في الكتابة. وموقفه من حل القضية الفلسطينية واضح وصريح، إذ لا حل بدون إنهاء الاحتلال والاستيطان، ولا حل بدون تحقيق حق العودة، ولا حل بدون تحقيق الحقوق القومية واليومية لفلسطينيي ألـ48، ولا حل للصراع بدون إسقاط الصهيونية وتفكيك منظومة القهر العنصري. وموقفه واضح من ديمقراطية الحل: عيش مشترك بين الجميع على أنقاض العنصرية والكولونيالية. كما أن موقفه من نهج وبُنية السلطة الفلسطينية أيضاً واضح وصريح، ويتمثل هذا الموقف في إسقاط اتفاق أوسلو والتحلل من التزاماته، واعتماد الوحدة الوطنية وإستراتيجية مقاومة شعبية حقيقية، وكل ذلك عبر إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تأطير الصراع، من نزاع على حدود، إلى صراع حركة تحرر وطني من نظام استعماري استيطاني.

 أما على صعيد الممارسة الميدانية، فقط أثبت التجمع على مدار تاريخه طليعيته في النضال الشعبي- الميداني ضد هدم البيوت، ضد مصادرة الأرض، ضد القوانين العنصرية، ضد مخططات التهجير وتصفية ما تبقى من أرض، وفي النضالات المساندة لنضال شعبنا في الضفة والقدس وقطاع غزة.

 وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد لعب التجمع، قيادة وكوادر دوراً مركزياً في المواجهات الميدانية ضد مخطط برافر الاقتلاعي في النقب. وليس صدفة أن القسط الأكبر من حملات الاعتقال والتحريض نالت التجمع، وقياداته وكوادره. لكننا جميعاً عدنا نشهد تراجعاً حاداً في النضالات الشعبية، وبالتالي فإن النهوض بالنضال الشعبي ليس مسؤولية الآخرين فحسب، بل أيضاً مسؤولية التجمع.

 لقد لعب شباب التجمع، من حركة طلابية واتحاد شبيبة، دوراً طليعياً في مقاومة برافر، ونضالات أخرى كالتضامن مع أسرى الحرية الفلسطينيين. ولا يخفى على أحد نوعية ومستوى الحركة الشبابية التي يعمل التجمع على بنائها وتطويرها وتوسيعها (من الطلاب الجامعيين والخريجين، والشبيبة). إنه مشروع تهيئة الجيل الجديد سياسياً، وثقافياً، ووطنياً. وهو من أهم مشاريع التجمع، إذا أن هذا المشروع جزء عضوي ومركزي في رؤية التجمع وبرنامجه لبناء الإنسان والمجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر.

أمام التجمع تحديات خطيرة ومهام كبيرة

التحدي الأول: مواجهة الحملة التحريضية التي تقودها الحكومة الإسرائيلية وفي مقدمتها رئيس الحكومة، بنيامين نتانياهو، في التحريض المنهجي والمستمر ضد التجمع الوطني الديمقراطي وقياداته، ودعوة بعض المسؤولين، علناً، إلى حظر التجمع بعدما تم حظر الحركة الإسلامية.

 واجه التجمع حملات تحريضية شديدة طيلة مسيرته، ولكن الحملة الراهنة أكثر شدة وخطورة. والخطورة في الأمر هو أن الحملة يقودها رأس الحكم والمجتمع، وموجهة في نهاية المطاف إلى جماهير شعبنا الذي بات يتمسك بحقوقه الجماعية، القومية والمدنية الكاملة.

 التجمع لم يصمد في مواجهة هذه الحملات العاتية فحسب، بل ازداد صلابة وتفولذ وترسخ في التربة الشعبية. مع ذلك لا يجوز لنا، كحزب، أن نستهين بها.

التحدي الثاني: مهمة تطوير العمل الوحدوي، باعتبارها مهمة باتت وجودية بالنسبة لحقوقنا ووحدتنا وأمننا الشخصي والجماعي كشعب. إن لجنة المتابعة التي جرى انتخاب رئيس لها، قبل ستة أشهر وهي خطوة مهمة، لا تزال تراوح مكانها من حيث المأسسة، التي يقف في مركزها مشروع الصندوق القومي. مما يهدد، إذا لم يحدث تطور حقيقي، دورها وبُنيتها.

 وبخصوص القائمة المشتركة، التي شكلت خطوة تاريخية في حياة العرب السياسية والتي كان للتجمع دوراً محورياً فيها، تواجه عقبات داخلية، لأن هناك من لا يزال يعتقد أنه من الأفضل العودة إلى قوائم منفصلة، أو قائمتين لأسباب ذاتية ضيقة، أو لاعتقادات أيديولوجية بائدة.

 كما أن بعض الأطراف أو الشخوص، يساهمون في تشويه الوعي السياسي وفي العودة إلى خطابات الستينيات والخمسينيات، أي إلى السياسة غير الواقعية والمضللة التي تظن أنها تستطيع استقطاب المجتمع الإسرائيلي.

 وبالتالي فإن التجمع عليه أن يتحمل المسؤولية في التصدي لهذه المخاطر والقصورات، وأن يصون النهج الوطني الذي تبلور خاصة في العقدين الأخيرين، وأن يُبدع في الوسائل والمقاربات التي تؤدي إلى تعزيز وحدة المجتمع وتطوره. كما مطلوب بذل الجهد الجدي من أجل الارتقاء بها وتطويرها كرافعة حقيقية في عملية تنظيم المجتمع الفلسطيني هي من واجباتنا كحزب وكحركة وطنية.

التحدي الثالث: إعادة تنظيم مؤسسات الحزب الداخلية، وتنجيعها وهذا ما تضمنه البيان التنظيمي. يبقى الامتحان في التطبيق بعد المؤتمر.

التحدي الرابع: على المستوى الفكري والمبدئي:

تطوير الآليات والبرامج لتعميق الوعي بالبعد الديمقراطي- الإنساني، والقيم الكونية، كالمساواة واحترام حرية الفرد والمواطن، وحق المرأة، وكذلك إلى جانب التربية على الهوية الوطنية والقومية. كما يجب يتم تطوير الوعي بمبدأ العدالة الإجتماعية، باعتبار أن جميع هذه المبادئ والقيم هي مجمل رؤية تيار اليسار الديمقراطي، أو التيار القومي الديمقراطي.

التحدي الخامس: على مستوى النضال الشعبي.

مطلوب من الحزب تطوير مفهومه وممارسته للنضال الشعبي، مستندين إلى معارك شعبية عديدة خاضها الفلسطينيون في الداخل، وكان التجمع في مقدمتها ومحرضاً عليها، وكان آخرها وأهمها تجربة مقاومة مشروع برافر. هذا يتطلب تطوير انخراطه في اللجان الشعبية، والأهم الدفع بتطوير بُنية ودور هذه اللجان، إضافة إلى تشكيل هيئة خاصة حزبية تُعنى بالنضال الشعبي والعمل النقابي وأيضاً في محاربة العنف المستشري. وهذا متضمن في الاقتراحات المشمولة في البيان التنظيمي.

التحدي السادس: القضية الفلسطينية.

إن التجمع الوطني الديمقراطي، باعتباره جزءً من الحركة الوطنية الفلسطينية عموماً، فضلاً عن كونه مكوناً أساسياً ولاعباً رئيسياً على ساحة الفلسطينيين في إسرائيل، وأكثر تيار من بين أحزاب الداخل مؤهلاً للعب دور فكري، سياسي، وميداني في الجهود الفكرية والسياسية والشعبية، الجارية باتجاه إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وفي إعادة صياغة وتعريف الخطاب الوطني، باعتباره مشروعاً تحررياً ديمقراطياً من نظام أبارتهايد كولونيالي يمارس اضطهاده وهيمنته على كل فلسطين التاريخية وشعبها.

 يبني التجمع موقفه هذا على نظرته إلى موقع فلسطينيي ألـ48 باعتبارهم جزءا من القضية الفلسطينية وجزءا من الصراع، وبالتالي لا بدّ من إيلاء الأهمية لتطوير دوره الإستراتيجي في النضال ضد الصهيونية، وفي المساهمة المنظمة في المشروع الوطني التحرر الفلسطيني.

اقرأ/ي أيضًا |  الاستدلال على الغائب بالشاهد... في أوراق مؤتمر التجمع

 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019