فلسطينيو الداخل.. في الربيع وتقلّباته

فلسطينيو الداخل.. في الربيع وتقلّباته

إمطانس شحادة

على الرغم من الفروق والاختلافات السياسية والعقائدية داخل المجتمع الفلسطيني وبين الأحزاب العربية في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، منها حول مكانة الفلسطينيين في "إسرائيل"، وتعريف دولة إسرائيل وطبيعة المطالب السياسية للفلسطينيين، والخلافات حول تنظيم المجتمع الفلسطيني وأدوات ذلك وحول قضايا اجتماعية ودينية، يجتمع الفلسطينيون في مناطق 48 منذ نكسة 1967 حول مطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة، تفكيك المستوطنات الإسرائيلية، عودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

هذه البنود موجودة في البرامج السياسية لكافة الأحزاب العربية والعربية- اليهودية الأساسية الفاعلة لدى المجتمع الفلسطيني، وتظهر من خلال غالبية استطلاعات الرأي العام التي تُجرى بشكل دوري لدى هذا المجتمع الفلسطيني. هذا الإجماع تخطى أيضًا التقسيمات الأيديولوجية والسياسية لدى الفلسطينيين في 48 وكان البرنامج السياسي الوحيد الذي يجمع بين الفلسطينيين في شطري الخط الأخضر، حتى في السنوات الأخيرة ومع تآكل واقعية تنفيذ هذا الحل وإصرار إسرائيل على تفتيت هذه الإمكانية أكثر من أيّ وقت مضى. وقد يكون المنافس الوحيد لهذا الإجماع في السنوات الأخيرة هو دعم وتأييد الفلسطينيين في الداخل للثورات العربية في بدايتها، وذروتها سقوط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

استحوذت الثورات في بعض الدول العربية أو ما بات يسمى "الربيع العربي" على اهتمام المجتمع الفلسطيني عندنا ونخبه وقياداته وأحزابه منذ أواخر العام 2010. واحتفل الفلسطينيون في الداخل بتساقط الأنظمة العربية التقليدية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن هذا الإجماع والدعم أخذا يتصدعان مع انتقال عدوى الثورات إلى سورية واغتصاب الثورة في مصر والاقتتال في اليمن وليبيا. فبعد أن استحوذت الثورات العربية ورياح التغيير والتحدي على قلوب الفلسطينيين في 48 بدأت هذه التحولات وتعثرها ترمي بظلالها السلبية على الواقع السياسي للفلسطينيين في الداخل وتهدد تماسكهم السياسي والمناعة القومية مقابل بطش إسرائيل. لذلك من الطبيعي أن يحتل الطوفان العابر على الحالة العربية مكانة مركزية في الحياة الحزبية والسياسية لدى المجتمع الفلسطيني، وفي النقاشات والاختلافات بين الأحزاب.

اختلف تعامل الأحزاب العربية عندنا مع الثورات العربية وفقاً لجغرافية الثورات وطبيعة الأنظمة في تلك الدول وعكس الالتزام الأيديولوجي الفكري للأحزاب العربية. فكافة الأحزاب العربية رحبت وباركت للثورة في تونس وفي مصر وفي اليمن، دون أن تتفق بالضرورة على تفسير أسباب الثورات.

ورأت الحركة الإسلامية أنها ثورات للحركات الإسلامية سوف تفضي في نهاية المطاف إلى حكم إسلامي؛ ورأى الحزب الشيوعي أنها ثورات طبقية انتفض فيها الفقراء والمستضعفون ضد النظام الرأسمالي الفاسد، ورأي التجمع الوطني أنها ثورات ديموقراطية قومية ستؤدي إلى يقظة قومية عروبية ستنتج دولة ديموقراطية تحترم حقوق مواطنيها وتكون ممانعة لإسرائيل.

الفلسطينيون في 48 لم يجمعوا على أسباب ودوافع الثورات ولا على نتائجها، ناهيك عن أن تمزق الدولة السورية وتفاقم الحرب الأهلية وما رافقها من دماء وانقسام الدول العربية إلى درجة الحروب بينها حدّ من إمكانية انتقال حالة الانتفاض ضد الاستغلال والدكتاتورية إلى الشعب الفلسطيني، وبذا تراجعت التأثيرات الإيجابية للثورات العربية وبدأت التأثيرات السلبية، خاصة على الفلسطينيين داخل 48.

من أبرز تلك التأثيرات الأخيرة كان: الانقسام والاختلاف حول الثورات العربية تحولا إلى مركب إضافي في الانقسام بين التيارات السياسية الفلسطينية في مناطق 48 ومناطق 67؛ حصل تراجع في أهمية التحرر من الأنظمة الديكتاتورية وإقامة أنظمة ديموقراطية في الدول العربية مقابل قيمة الاستقرار؛ تراجع مكانة القضية الفلسطينية لدى الدول والشعوب العربية؛ تراجع الشعور بالانتماء العربي وتعزّز شعور الخذلان من القومية العربية وتنامي الهويات القبلية والعودة إلى هويات ما قبل الحداثة؛ انتشار الخوف من التيارات الإسلامية المتطرفة كداعش والنصرة وتأثيره على تقبل إسرائيل بل وأحياناً الرغبة في التحالف معها؛ توسيع الفروقات السياسيّة بين الأحزاب العربية الفاعلة في مناطق 48؛ بروز الهويات الدينية الطائفية على حساب الهوية القومية الجامعة واستغلال ذلك من المؤسسة الإسرائيلية.

لكن التأثيرات السلبية للطوفان العربي على الواقع السياسي والقومي للفلسطينيين داخل مناطق 48 أنتجت ردة فعل أخرى دفعت باتجاه التعامل مع الإسقاطات السلبية وإعادة التشديد على مركزية القضية الفلسطينية والاحتلال والتمييز.

ويمكن القول إن هذه الأجواء والتحولات العميقة لم تُفقِد القضية الفلسطينية مركزيتها لدى الفلسطينيين في مناطق 48 وما زال عنوان نضالهم الأساسي هو إقامة الدولة الفلسطينية ونيل الحقوق الطبيعية والتاريخية للشعب الفلسطيني، والنضال ضد طابع دولة إسرائيل والعنصرية. وهذه العناوين ما تزال الأبرز في عمل الأحزاب العربية والمجتمع الفلسطيني في هذه المناطق.

فعلى الرغم من كل الخلافات التي أوجدها الطوفان العربي، نجحت الأحزاب العربية والعربية-اليهودية (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) في إقامة قائمة مشتركة لخوض انتخابات الكنيست عام 2015 كرد على محاولة الأحزاب الإسرائيلية تصفية التمثيل البرلماني العربي.

وبررت الأحزاب العربية، في ما بررت، أهمية إقامة القائمة المشتركة بالحالة في الدول العربية، خاصة سورية، وزيادة الخطاب الطائفي والمذهبي بل وشرعنته في الفضاء العربي، واحتمال انتقاله بحدة إلى الداخل الفلسطيني لو لم يتم التعامل معه بحدة وبوحدة وبجرأة.

مواقف المجتمع الفلسطيني في مناطق 48 توضح هذا أيضًا، وتشير إلى الحاجة لتطوير مكانة ودور هذا المجتمع في النضال الفلسطيني الكلي. فعلى سبيل المثال أوضح استطلاع لمركز مدى الكرمل أجري قبل ذكرى يوم الأرض في آذار/ مارس الماضي أن المجتمع الفلسطيني يرى إمكانية حدوث صدام في المستقبل مع إسرائيل في حال استمرت سياسات هدم البيوت والتضييق على الفلسطينيين؛ وأظهر استطلاع سابق أجري في صيف 2014 أن غالبية المستطلعين العرب ترى أن السياسات الحكومية سياسات تمييز وعنصرية تجاه المواطنين العرب.

وفي ظل كل هذا، والتحولات في الدول العربية، وتكلس السلطة الفلسطينية وفرض إسرائيل حل الأمر الواقعي، وجد استطلاع أجرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز مدى الكرمل في نهاية 2015 أنه بالنسبة لدور الفلسطينيين في مناطق 48 في المستقبل، يعتقد 55% من المستطلعين أن من المفروض أن يكون للفلسطينيين في مناطق 48 دور أكبر في المشروع الوطني الفلسطيني؛ وترى غالبية كبيرة منهم (67%) أن حلّ القضية الفلسطينية هو شأن جميع الفلسطينيين، أي في الضفة الغربية، غزة، والشتات واللاجئين وأيضاً في أراضي 48، وأن دور هؤلاء الفلسطينيين الأخيرين لا يقتصر على الدعم والتأييد من دون أخذ دور فاعل؛ ويعتقد قرابة 55% من المستطلعين في مناطق 48 أن هناك مستقبلاً سياسياً مشتركاً بين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية.

هذه النتائج المرتبطة بالتصرف السياسي للفلسطينيين في مناطق 48 وعملية إقامة القائمة المشتركة، إنما تعني أن الخيارات السياسية للفلسطينيين في الداخل لم تحسم بعد وأنها لم تتغير بشكل كبير من جراء التحولات في العالم العربي.

صحيح أن هناك خلافات وقراءات مختلفة للتحولات، وبالموازاة هناك مخاوف وتنامٍ لهويات طائفية، لكن كل هذا يدفع أيضاً باتجاه ردة فعل تعمل على تقوية القواسم المشتركة، وتتمسك بالقيم القومية والديموقراطية، وترى أن القضية الأساسية هي القضية الفلسطينية وأن حلها يتطلب دوراً جدياً للفلسطينيين في 48 لا يقتصر فقط على العمل من خلال المنظومة السياسية والحزبية والبرلمانية الإسرائيلية فقط، وهناك دفع في اتجاه العودة لأداء دور رئيسي في المشروع الوطني الفلسطيني.

(العربي الجديد)

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018