ليبرمان ونهاية عهد نتنياهو

ليبرمان ونهاية عهد نتنياهو

سليمان أبو إرشيد

استبدال الجنرال “الأشكنازي' أو 'لأصلي' المكلل بالرتب والأوسمة العسكرية موشيه (بوغي) يعالون بـ'المخزنجي الروسي' إيفيت ليبرمان، على حد تعبير الصحافة الإسرائيلية، هو مؤشر آخر هام على التحولات العميقة التي تشهدها الدولة العبرية والتي تصيب عمق الطبقة السياسية النافذة فيها. 

مقايضة قائد الأركان السابق الذي خاض حروب إسرائيل مقاتلا في مختلف الجبهات، وقاد حملات عسكرية وعمليات كوماندوز أبرزها اغتيال أبو جهاد، بليبرمان الذي كانت الطلقات الوحيدة التي مر أزيزها عن أذنيه هي طابات التينس، على حد تعبير نتنياهو، يشير إلى ماهية هذه التحولات ونوعية المادة البشرية المشكلة للنخب الجديدة التي بدأت تستولي على محاور النفوذ ومراكز صنع القرار السياسية والعسكرية في الدولة العبرية.  

إضافة ليبرمان الى تشكيلة شاكيد، ريجف وبينيت التي يرأسها نتنياهو هي ليست إضافة نوعية فقط، من حيث الشخص، بل تعني أيضًا محاولة تطويع الجيش بعد تطبيع الثقافة وتركيع الصحافة وتجيير التعليم وتحييد القضاء، في إطار عملية إحلال النخب الجديدة مكان نخبة 'الأحوسليم' القديمة على حد تعبير عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينج، والتي أنهت دورها التاريخي على ما يبدو بتأسيس الدولة وتثبيت أركانها. 

ويبدو أن طبقة 'الأحوسليم' (وهي اختصار المعاني العبرية لتعابير، أشكنازي، علماني، قديم، اشتراكي، قومي- صهيوني) هذه الطبقة التي هيمنت منظومتها القيمية على الدولة العبرية طيلة عقود وصلت إلى نهايتها، ولم تعد قادرة في ظل التطورات الديمغرافية والسياسية التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي مواصلة هذا الدور.

 وبغض النظر إذا كانت هذه المنظومة قد أنهت دورها، كما يعتقد، كيمرلينج، أو أن ما يجري هو إزاحة وكلائها الكلاسيكيين من مركز الثقل السياسي على أيدي وكلاء جدد يعطونها تفسيرًا أكثر 'حربجية' وقومجية ويهودية من سابقيهم، كما يعتقد د. يوسي يونا، فإن تحولات عميقة تطرأ على بنية المجتمع الإسرائيلي، تجري خلالها عملية/ محاولة  'ذبح' بقرات مقدسة مثل الصحافة، المحكمة العليا، وأخيرًا الجيش، من خلال إيداع هذه 'النفائس القيمية' التي كانت تشكل حتى وقت قريب أعمدة المجتمع الإسرائيلي بأيدي 'فريحوت' على غرار ميري ريجف وأييلت شاكيد، كما يوصفن بالإعلام الإسرائيلي،  “وكذاب، مخادع ومحتال”، والكلام لنتنياهو، على شاكلة ليبرمان.

من الصعب والحال كذلك، تأييد وجهة نظر د. يوسي يونا والتسليم أن ما يجري مجرد تبديل وكلاء للمنظومة المهيمنة ذاتها، التي يعتقد أنها وبعد أكثر من نصف قرن على إقامة الدولة، ما زالت تتمتع بالقدرة على توفير المواد المصنعة لـ'الجالية المتخيلة'، الجالية اليهودية- الصهيونية على تنوعها الإثني، اللغوي، الثقافي والعرقي، كما يقول، بل أن ما يجري هو تهاوي شامل للمنظومة المهيمنة ( الأحوسليم) تحت ضغط القادم الجديد المؤلف من خليط هجين يجمع  المستوطن، الشرقي، الروسي، الرأسمالي، والديني الصهيوني، تحت شارة الصهيونية الدينية الاستيطانية بنزعة فاشية.

ولكن بدون شك، فإن عزل يعالون وتعيين ليبرمان وزيرًا للأمن، على خلفية الصدام مع قادة الجيش يضيء أكثر من ضوء أحمر في المنظومات المعنية، وخصوصًا المنظومات الأمنية التي وإن كان رؤسائها قد عينوا في عهد نتنياهو، فإن ولاءهم الأول لعقيدتهم الأمنية، وقد رأينا كيف نجح رؤساء ما يسمى بالأجهزة الأمنية في السابق في إحباط مغامرة نتنياهو- براك في الموضوع الإيراني.

الجيش هو البقرة الأكثر تقديسًا في إسرائيل، ويبدو أن نتنياهو تسرع في ذبحها، فإسرائيل دولة الجيش ووزير الأمن يتمتع فيها، خصوصًا إذا كان جنرالا، ليس باحترام وتقدير شعبي يفوق رئيس الحكومة فقط بل بمكانة قانونية شبه مستقلة، وبهذا المعنى فإن خضوع الجيش للمستوى السياسي هو في المحصلة حبر على ورق، لأن قادته وجنرالاته يتمتعون بصلاحيات شبه كاملة بما يتعلق بالحرب والسلم.

المراقبون الإسرائيليون يجمعون أن نتنياهو تسبب بالأذى لنفسه اكثر منه للجيش، وان عزل يعالون سيطيح به من رئاسة الحكومة عاجلا أم آجلا، وأن الإسرائيليين ينتظرون رئيس الحكومة/ الجنرال أو الجنرال/ رئيس الحكومة على شاكلة أشكنازي أو يعالون ذاته، لوضع حد لما يصفونه بفوضى وألاعيب السياسة الرخيصة والضحلة التي مارسها نتنياهو وممثلو الكومبارس من الدرجات المتواضعة والوضيعة، أمثال ريجيف وبينيت وشاكيد وليبرمان، وهو ما قد يقطع عملية التحول الجارية في عمق المجتمع الإسرائيلي إلى أن تنتج المنظومة الجديدة قادة سياسيين وعسكريين بمستوى أفضل. 

اقرأ/ي أيضًا لـ سليمان أبو إرشيد

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019