حزبنا بين المأسسة والجماهيرية

حزبنا بين المأسسة والجماهيرية

باسل غطاس

تواجه الأحزاب العلمانية الحديثة في المجتمعات المعاصرة معضلة بنيوية معقدة، وهي ضرورة التوفيق بين بناء الحزب كمؤسسة ذات مبنى واضح، قادر على اتخاذ القرارات ومراكمة المعرفة والتجارب وتطوير الكفاءات والقدرات والموارد البشرية والمادية من ناحية، وبين حاجتها للمحافظة على الحزب كتنظيم جماهيري ذي قواعد وامتدادات أفقية في المجتمع. عمليا، يمكن القول أنه لا يمكن فعليا الحصول على الأمرين معا، وانما يستطيع الحزب تحقيق نوع من التوازن النسبي، يستطيع من خلاله تطوير وتذويت نظم وبنى مؤسساتية واضحة، على ألّا يفرط بالمأسسة، فيتحول إلى جسم بيروقراطي يفرط بالعفوية والمرونة الضرورية للحفاظ على جماهيريته وشعبيته. إن معادلة تحقيق هذا التوازن ليست سهلة بالمرة، وعمليا لا يملكها أحد، وعلى كل حزب أن يجد عبر التجربة والخطأ ما يلائمه من التناسب بين الأمرين. 

طبعا، نحن نتحدث عن الأحزاب التي تعتبر أداة للحراك الاجتماعي والسياسي، وليس عن الأحزاب التي هي في الواقع حركات لشخص، يكون عادة المؤسس، ويبقى الحزب مشروعه الخاص للمحافظة على موقعه وتقديس شخصيته. 

وقع التجمع الوطني الديموقراطي منذ تأسيسه تحت طائلة الاتهامات المغرضة من المنافسين، بأنه حزب الرجل الواحد، وقد استغل هؤلاء سياق تأسيس التجمع وواقع بروز اسم عزمي بشارة  وسطوع نجمه بعد وصوله لعضوية البرلمان عام ١٩٩٦، قبل أن يتعرف الناس على اسم التجمع كحزب جديد. ولكنا كنّا على ثقة بأننا منطلقون لتأسيس حزب عصري وحديث، يستطيع حمل وتطوير المشروع السياسي لدولة المواطنين والحقوق الجماعية. لم تخالجنا ذرة شك بأن كل طاقاتنا وخاصة طاقات الشخصية المركزية في التجمع الدكتور عزمي بشارة، ستتجه لبناء الحزب كقلب الحركة الوطنية في الداخل. وقد أثبت التجمع بالدليل القاطع، بعد خروج قائده إلى المنفى القسري، بأنه قد استطاع بناء قواعده وتنظيماته في عقد ونيف، مما أهله من الصمود، بل وتجاوز الهزة العنيفة التي ألمت به، واستمرت المسيرة. 

هل استطاع التجمع العثور على المعادلة السحرية للبناء المؤسساتي مقابل جماهيرية وشعبية التنظيم؟

أشك في ذلك. لكني على ثقة بأن المؤتمر السابع سيخطو خطوات في هذا الاتجاه، وسيعالج من خلال تجديد القيادات وإقرارالتعديلات الدستورية الملائمة، عدة مواطن وهن ونقاط ضعف تصيب وتلازم كل الأحزاب بشكل دائم، منها القصور في الأداء والمهني والعملي، والمراوحة في المكان بعيدا عن تطبيق معايير حديثة في التخطيط والمراقبة والتقييم والمحاسبة، واستخدام رشيد للموارد، وكذلك البقاء في المناصب المختلفة لفترات طويلة، وبمسوغات مختلفة، وكذلك ظهور مجموعات أو تيارات تعمل أحيانا برؤية ضيقة وبناء على أجندة المجموعة نفسها. من الممكن في كل مرحلة زمنية السيطرة على هذه الظواهر وتحجيمهما إلى الحد الأدنى، وإن كنت أشك في إمكانية التنظيم -أي تنظيم- أن يتخلص منهما تماما. من أهم الوسائل التي يجب على الحزب اتخاذها لمحاصرة هذه الظواهر هو الحديث عنها ونقاشها بروح حزبية ورفاقية، عوضا عن تجاهلها وتركها لتستفحل، وقد تسبب أذى بل وضرر عميق خاصة على معنويات وحماس أعضاء الحزب، ويدخلهم في متاهات لا أول لها ولا آخر.

 قد نجح التجمع في هذه المهمة إلى حد بعيد، وقد نشأ جيل جديد كامل له هوية تجمعية فقط، بعيدا عن أي اصطفافات أو ولاءات، وانتماؤه الوحيد هو المشروع التجمع القومي الديموقراطي، ويريد تحقيق قفزة نوعية في أداء الحزب والهيئات القيادية، وينتظر من المؤتمر إحداث تغيير جدي قادر على تحقيق هذه القفزة النوعية.

من المأمول، بل والمؤكد أن المؤتمر السابع للتجمع سينجح في تغليب الانتماء الحزبي العام والمطلق، ووضع المصلحة الحزبية فوق أي اعتبار، وبهذا فهو أيضا سيعمق الوحدة الحقيقية، بعيدا عن أي تقاسم نفوذ أومحاصصات، وسينجح في وضع الآليات لضمان التجدد الدائم، في إشغال المناصب القيادية المختلفة. ممكن القول بكل ثقة أن الوحدة الحقيقية للحزب هي تلك التي تصلّب عوده، من خلال هويته الجامعة، وعبر خوض المعارك النضالية الشعبية في الميدان، ومواجهة التحديات الكبيرة القادمة بعزم وعزيمة الشباب، وبرفع مستوى أداء الهيئات القيادية وأعضائها.