"النهضة"... وفصل السياسة عن الدين

"النهضة"... وفصل السياسة عن الدين

عبد النور بن عنتر

صنع حزب النهضة التونسي الحدث، بإعلانه، أخيرًا، قراره فصل المجال الدعوي عن العمل والممارسة السياسيين، والتحول إلى حزب مدني وديمقراطي. والقرار جريء بكل المقاييس. فقد اتخذته حركة النهضة بمحض إرادتها، غير مرغمةٍ، وفي وقتٍ لم تفقد فيه من وزنها السياسي والانتخابي في البلاد. وبالتالي، هو ليس مخرجًا من أزمة، بل يبدو أنه يعبر عن قناعةٍ سياسيةٍ تشكلت مع مرور الوقت، خصوصًا خلال سنوات الانتقال الديمقراطي في تونس بعد سقوط نظام بن علي.

سيسمح هذا القرار للحركة بالخروج من المعضلة التي واجهتها، منذ ولوجها المعترك السياسي ما بعد أحداث الثورة التونسية، والمتمثلة في أنها كانت دائمًا بين مطرقة الإسلاميين السلفيين والجهاديين وسندان التيارات الليبرالية والعلمانية في البلاد، فهي غير إسلامية بما فيه الكفاية بالنسبة للفريق الأول، وغير مدنية بما فيه الكفاية بالنسبة للفريق الثاني. ويبدو أن التجربة الفتية للنهضة في إطار الإسلامي المؤسساتي، ونقصد به الأحزاب الإسلامية التي تقبل قواعد اللعبة الديمقراطية، وتشارك في العملية السياسية، قادتها إلى هذا الخيار الإستراتيجي، على أساس أن الطابع الديني يقود، حتمًا، إلى حالةٍ من الاستقطاب السياسي في البلاد، بالنظر إلى اختلاف الرؤى والتفسيرات الدينية، والتوظيف واسع النطاق للدين في السياسة.

ومن غير المستبعد أن تكون 'النهضة' قد استخلصت العبر من معضلة ممارسة السياسة بمرجعيةٍ دينية، حيث تتخذ معظم القضايا السياسية بعدًا دينيًا، وتتحول مواقف الحزب السياسي الإسلامي، في مثل هذا المشهد، إلى ما يشبه فتاوى سياسية، لأنه يعبّر عن موقفٍ من مسائل ذات صبغة دينية، أو أُضفيت عليها صبغة دينية. وهذا فخٌّ تسقط فيه الأحزاب السياسية الإسلامية عمومًا بإقحام نفسها في جدال ديني، هي في غنىً عنه، ما يجعل خصومها وغير خصومها يرون فيها تياراتٍ دينيةً بغطاء سياسي. من هذا المنظور، يمكن القول إن خطوة 'النهضة' هذه ستسمح لها بالتحرّر من هذه المعضلة، والتفرّغ للعمل السياسي، والتموقع حيال المسائل السياسية والاجتماعية، بعيدًا عن المرجعية الدينية، أو على الأقل الاعتبارات الدينية.

لكن، هل الإعلان عن فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي يكفي لحل معضلات الإسلام السياسي عمومًا، والإسلام السياسي المؤسساتي؟ من المجحف الحكم الجازم على هذه الخطوة، قبل ملاحظة تطبيقاتها السياسية في الواقع مستقبلًا. والمراجعة السياسية لحركة النهضة في بدايتها الأولى، وبالتالي، يتوجب انتظار سنواتٍ، حتى تتضح الرؤية، خصوصًا أن الحكم على هذه المراجعة يكون بملاحظة سلوك النهضة 'الجديدة' ميدانيًا، أي في الممارسة السياسية اليومية.

ولكنْ، هناك مؤشراتٌ يمكن تحليلها، والمتمثلة في مفرداتٍ وردت في خطاب 'النهضة' في الأيام الأخيرة. أولها عبارة فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي. إنها تعني أن 'النهضة' لم تكن حزبًا سياسيًا بمعنى الكلمة، بل كانت جمعية دعويةً وحزبًا في الوقت نفسه، أي أن المرجعية الدينية كانت أقوى من العمل السياسي. لكن، لماذا هذا القرار الآن تحديدًا؟ يمكن القول إن الفصل بين العملين في سنوات المعارضة كان سيؤثر على الحركة، بل ربما يقود إلى اختفائها، ذلك أن قوة الأحزاب الإسلامية تُستمد، أساسًا، من مرجعيتها الدينية في بيئة اجتماعية متقبلة للخطاب الديني. والآن، بعد أن جربت 'النهضة' الحكم، وأصبحت قوة سياسية، يُحسب لها حسابٌ في المشهد السياسي التونسي، فهي في وضع سياسي مريح، يسمح لها بالابتعاد تدريجيًا عن المرجعية الدينية، من دون أن تفقد ثقلها. صحيح أن بعض مسانديها، والمتعاطفين معها، سينفر منها، بسبب قرارها الفصل بين العملين، لكن آخرين من غير هؤلاء سيدعمونها ويلتحقون بها. وبالتالي، انتخابيًا، لا تؤثر حسابات الربح والخسارة على 'النهضة'، لأن هناك نوعًا من التوازن بينها.

لكن القول بالفصل بين العملين، الدعوي والسياسي، لا يحل كل المعضلات السياسية. إذًا يجب أن يُعوض التخلي عن المرجعية الدينية بمرجعية أيديولوجية أخرى، تكون قوام الحركة وبوصلتها السياسية. لا يكفي القول بالتحول إلى حزب مدني ديمقراطي لتحديد تموقع 'النهضة' في المشهد السياسي، وتمييز برنامجها عن غيره. فكل الأحزاب الأخرى تقول أيضًا إنها مدنية وديمقراطية، إلا إذا افترضنا أن هدف 'النهضة' هو مغادرة عائلة الإسلام السياسي، والالتحاق بعائلة الأحزاب المدنية والديمقراطية لا غير. لكن، لهذه الأخيرة توجهاتها وخياراتها السياسية (ليبرالية، علمانية، يسارية...). وعليه، فإن التحول السياسي للحركة حاليًا لم يكتمل بعد. إذ من الصعب العدول عن أيديولوجية معينة، من دون تعويضها بأخرى، بغض النظر عن مرجعيتها. فـ'النهضة' لم تعد تقدم نفسها جزءًا من الإسلام السياسي، لكنها لم تحدّد هويتها السياسية بعد، والعمل ضمن الدائرة المدنية، على الرغم من مغازيه السياسية، لا يكفي ليشكل إيديولوجيةً بحد ذاته، في بيئةٍ ديمقراطية. تقول 'النهضة' إنها أصبحت حزبًا مدنيًا ديمقراطيًا، تقوم مرجعيته على قيم حضارية وحداثية مسلمة. وهنا، ربما تكمن بداية الإجابة عن المرجعية البديلة. وكأن النهضة 'الجديدة' تريد إيجاد نموذجٍ محليٍّ يشبه، بعض الشيء، نموذج الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا. ويسمح مثل هذا التوجه لها بتجنب الخوض في جدالٍ حول العلمانية، وفي الوقت نفسه، الإبقاء على مسافةٍ سياسيةٍ معقولةٍ بينها وبين التيارات العلمانية في البلاد.

تواجه هذه المراجعة بعض التحديات. أولها مدى الإجماع داخل الحزب حول هذا التحول في المرجعية السياسية. ثانيها عدم تمكن الحركة من ممارسة التداول السياسي داخليًا، حيث يشير انتخاب راشد الغنوشي، مجددًا، على رأس الحركة إلى عجزها على ممارسة التداول. قد يقول بعضهم إن تغيير القيادة، في مثل هذا الظرف، قد يضرّ الحركة، ويجهض تحولها السياسي، ولكن، من الصعب الدفاع عن التداول على حكم البلاد وصرف النظر عنه في قيادة الحركة. ثالثها، لا تزال الدولة العربية لا تفصل بين العملين، الدعوي والسياسي، فكل الأنظمة العربية توظف الدين في السياسة لخدمة مآربها، لكنها تعيب ذلك على الإسلاميين. بمعنى أن البيئة السياسية العربية لازالت حبيسة الخلط بين السياسة والدين. ومن ثم، فحتى ولو قالت 'النهضة' بالفصل بين العملين، فلمّا تكون في الحكم وبمفردها، قد تخوض في مسائل سياسية من منظور ديني، متذرعة بأن الإسلام الدين الرسمي للدولة التونسية. هذا يعني أن الدولة التونسية 'الجديدة' قد تجبر إن عاجلًا أو آجلًا على البت في مسائل دينية بقرارات سياسية، والعكس صحيح. وعليه، تبقى معضلة الفصل بين المدنّس والمقدس قائمة، وإن بدأت بعض جوانبها تتعرّض لعوامل التعرية السياسية، وهذه، بالأساس، سيرورة اجتماعية وسياسية معقدة وطويلة الأمد.

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018