احتلال 67 يدخل يوبيله "الذهبي"

احتلال 67 يدخل يوبيله "الذهبي"

سليمان أبو ارشيد

من المفارقات المؤلمة أن تمر ذكرى هزيمة 67 (النكسة) التي صادفت يوم أمس الأول، الخامس من حزيران/ يونيو، مرور الكرام دون أن يشوب صفاء المناسبة الاحتفالية الإسرائيلية "تصريح" أو "تلويح" لزعيم عربي يزلزل كيان إسرائيل أو يذكرها، في أضعف الإيمان، أنها تغتصب حقا وراءه مطالب.

"بعضنا كان صغيرًا في عام 1967. بعضنا كان يحبو، وبعضنا الآخر كان أوفر حظًّا: إذ لم يكن قد ولد بعد. بعضنا لا يزال يذكر ذلك اليوم المحفور هول الصدمة التي أحدثتها الهزيمة في أنفس العرب"، كما كتب أكاديمي عربي، هي ذات الأخطاء والخطايا، التي لمسها عبد الناصر على جلده في حصار الفالوجة عام 48 ووردت في دفتر يومياته الذي صدر لاحقا في كتاب "يوميات جمال عبد الناصر في حرب فلسطين".

 على امتداد صفحات اليوميات بدا جمال عبد الناصر غاضبا وساخطا على الأوضاع التي يعاني منها الجيش المصري في الحرب، ويتهم القيادة العسكرية بالتخبط والجهل بل أنه يتهمها بأنها سبب كل المصائب وأنه لا توجد قيادة للجيش المصري في فلسطين من الأساس فهي قيادة عاجزة لا تملك خطة ولا احتياطي همها الوحيد هو الهرب والنجاة بعيدا عن المعركة وإطلاق تصريحات وبيانات كاذبة عن انتصارات وهمية لم تحدث.

لقد ثار عبد الناصر على هذه الأخطاء في يوليو 1952 وانتصر عام 1956 ولكن لـ"سوء الحظ" أو لأسباب أخرى أكثر واقعية، عادت وتكررت تلك الأخطاء بحذافيرها أثناء حرب 1967 وكأننا لم نتعلم شيئا. لقد عادت تلك الأخطاء والخطايا لتضرب في جسم الثورة "المترهل" وتشكل سببا رئيسيا للهزيمة، لتحول ما كان يفترض أن يكون تصحيح للخطأ التاريخي الذي تمثل بنكبة 48 وإقامة إسرائيل إلى حلقة أخرى جرى خلالها استكمال مخططها الكولونيالي وتوطيد دعائمه.

عدوان حزيران لم يحفر في الذاكرة ويصب الناحية النفسية فقط تاركا فيها ندبات لا تشفى، بل حفر في الأرض العربية والفلسطينية ووضع أساسات لمستوطناته ورسخ دعائم مشروعه الاستيطاني في كامل فلسطين وتجاوزها إلى أراض عربية أخرى.

صدق من قال إن العرب الذين ضيعوا فلسطين في الـ 48 ضيعوا فرصة تحريرها في الـ 67، لأن أهم نتائج حرب 67 كانت انتقال النزاع من صراع على إسرائيل (على مجرد وجود إسرائيل) إلى صراع مع إسرائيل، وهو صراع يبدأ بحروب ونزاعات مسلحة وينتهي بتسويات تحكمها موازين القوى، التي عادة ما تكون لصالح إسرائيل على غرار كامب ديفيد وأوسلو.

ومن نقد الهزيمة إلى نقد فكر المقاومة "يعود التاريخ على نفسه ليس في رؤوس الأغبياء" فقط، بل في البديل الثوري وطليعته المعاصرة حركة التحرر الوطني الفلسطيني أيضًا، وتتكرر الأخطاء والخطايا القاتلة في هزائم المقاومة في الأردن وفي لبنان وعلى أرض فلسطين لتنتهي إلى ما انتهت إليه.

سنة بعد أخرى تحضر الذكرى، في ظل تزايد غياب الفعل العربي والفلسطيني، وتعاظم حالات التشرذم والتفكك والانقسام، التي بتنا خلالها نشتاق خارطة سايكس بيكو قوميا وإلى عهد الدكاكين الوطنية فلسطينيا. هي دالة تصاعدية لضمور الدور العربي وتردي الحالة الفلسطينية، مقابل تثبيت إسرائيل لأركان مشروعها الاستيطاني وتوطيد مكانتها وتوسيع نفوذها الإقليمي والعالمي.

لقد بدا يوم الرئيس عباس، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية، عاديا، في الخامس من حزيران/ يونيو الذي يصادف الذكرى الـ49 لاحتلال ما تبقى من أرض فلسطين وهي الأرض التي تصارع/ تفاوض السلطة الفلسطينية لإقامة دولتها عليها، فقد هنأ "الرئيس" رئيس سبشل بعيد التحرر وهنأ الملوك والرؤساء والأمراء العرب بحلول شهر رمضان وهنأ النائبة خالدة جرار بالتحرر من سجون الاحتلال، وهنأ مملكة الدنمارك بيوم الدستور، ولم ينس في غمرة مشاغله تلك أن يزف بيان للرأي العام يقول فيه، إن الدولة الفلسطينية قادمة لا ريب فيها وأنه "متمسك بحل الدولتين اللتين تعيشان بسلام جنبا إلى جنب".

 أما رئيس أكبر دولة عربية عبد الفتاح السيسي فقد اضطر إلى التنازل عن القمة الثلاثية مع نتنياهو وعباس وقصرها على الأخير في أعقاب تفضيل نتنياهو ضم ليبرمان لحكومته على هرتسوغ، الأمر الذي اعتبر صفعة لمساعيه (السيسي)، في وقت ما زال يتهم فيه بينيت رئيس حكومته نتنياهو التحدث بلسانين ويطالبه الالتزام برفض حل الدولتين.      

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018