الاستقلال والقسام و"غياب الله"

الاستقلال والقسام و"غياب الله"

سليمان أبو إرشيد

تداعي الأحزاب والهيئات الشعبية لإنقاذ ما تبقى من مقبرة الاستقلال في حيفا بجمع مبلغ ثلاثة ملايين شيكل لدفن صفقة بيع مشينة، كانت قد أبرمتها عناصرفي لجنة أمناء الوقف، هذا التداعي هو في الوقت الذي يؤكد تمسك جماهير شعبنا بمعالمنا ورموزنا الدينية والتاريخية وفي مقدمتها مقبرة الاستقلال ومسجد الاستقلال الذي شكل حاضنة للشيخ عز الدين القسام ودعوته الجهادية، هو في ذات الوقت يسلط الضوء على قضية المقدسات الإسلامية والمسيحية التي ما زالت تتعرض للسطو والانتهاك.

لقد عبر شاعرنا راشد حسين أبلغ  تعبير عن عبثية القرار الإسرائيلي الذي اعتبر أملاك الوقف الإسلامي 'أملاك غائبين'، في مطلع قصيدته التي يقول فيها 'الله  أصبح غائبًا يا سيدي - صادر إذن حتى بساط المسجد'، بمعنى إنه إذا كانت إسرائيل تصادر أراضي وبيوت الفلسطينيين بذريعة غيابهم، فماذا مع بيوت الله من جوامع وكنائس، وهل تعتبر الله صاحب هذه المعابد غائبًا أيضًا، حتى تضع يدها على ممتلكاته؟

وكانت إسرائيل قد وضعت يدها على أراضي وممتلكات الأوقاف الإسلامية التي تشكل 16/1 من مساحة فلسطين التاريخية، واعتبرتها أملاكًا متروكة، أسوة بأملاك الناس الذين هجروا عن قراهم ومدنهم، يسري عليها قانون الغائبين التعسفي الذي سنته في العام 1950، متذرعة بتبعية الوقف الإسلامي للمجلس الإسلامي الأعلى الذي شتتت شمله وشردت أعضاءه، ووضعت إسرائيل هذه الأملاك تحت إشراف لجنة حكومية يرأسها مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية وتتألف من 'القيّم على أملاك الغائبين'، وممثلين عن الكيرن كييمت ووزارتي المالية والإسكان.

وفي العام 1965، سنّت الحكومة الإسرائيلية 'قانون لجان الأمناء' الذي عينت بموجبه لجان أمناء على الأوقاف الإسلامية في حيفا، يافا، عكا، اللد والرملة، لتخلق على ما يبدو 'شخصية قانونية' يتم من خلالها تصفية أملاك الأوقاف وبيعها بموجب القانون من قبل هيئة تبدو لأول وهلة إسلامية ورسمية.

ومنذ تعيين هذه اللجان توالى إبرام الصفقات بين 'متولي' هذه اللجان وبين مؤسسات الدولة والشركات الصهيونية الخاصة، وعززت هذه الصفقات بفتاوى 'شرعية' أصدرها موظفون حكوميون برتبة 'قضاة مسلمين'، كما يقول الأستاذ فتحي فوراني في كتابه 'الأوقاف والمقدسات الإسلامية في إسرائيل'، طالت هذه الصفقات جميع المدن المذكورة.

ورغم أن 'وقف الاستقلال' في حيفا نجا من قانون أملاك الغائبين، لأنه كان يتبع لمؤسسة مستقلة عن الأوقاف العامة ومسؤولة شرعًا عن ممتلكات الأوقاف المحددة في 'حجة وقفية الاستقلال – 17/3/1938'، إلا أنه لم ينجو من الفساد الذي جير هذه المؤسسة للعب دور مركزي في تنفيذ المخططات والصفقات التي طالت أراضي وأملاك الأوقاف.

 'مقبرة الاستقلال' تعرضت لجريمة تدمير نفذت من قبل 'هيئة المتولين' بتاريخ 6/6/1981 بـ'فتوى شرعية' توجت بعدم نقل القبور ( 3 آلاف قبر) ثم الادعاء أنها نقلت إلى قبر جماعي في المقبرة الإسلامية في كفر سمير... ثم سقوط القناع عن الوجه الحقيقي لمشروع السكن 'الموهوم' والإعلان عن إقامة مركز أعمال تجاري على أرض المقبرة (فوق عظام الآباء والأجداد المبعثرة بشكل لا يتصوره العقل).

وفي أعقاب هذه الجريمة، هرب سهيل شكري (المتولي السابق) وفي جيبه مليون دولار 'جراء صفقة كبيرة جرت على أراضي الأوقاف في حيفا' (فتحي فوراني-  كتاب 'الأوقاف والمقدسات الإسلامية')، وصولا إلى الصفقة التي نتحدث عنها والتي جرى إبرامها في العام 1994 وجرى إبطالها في العام 2013، بعد التغيير الإيجابي الذي طرأ على تركيبة لجنة الوقف وقيام الأخيرة بالاستئناف على الصفقة ونجاحها في إبطالها شريطة إرجاع المبلغ الذي قبضته لجنة الوقف السابقة.

اقرأ/ي أيضًا للكاتب | في التحالفات وإعادة صياغة الخطاب السياسي

استرجاع مقبرة الاستقلال يجب أن يشكل حافزًا للعمل على تحرير الوقف الإسلامي من وصاية مكتب رئيس الحكومة، ووقف الانتهاكات المتكررة للمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدن الفلسطينية التاريخية وفي القرى المهجرة.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019