تهديدات ليبرمان الجوفاء

تهديدات ليبرمان الجوفاء

بلال ضاهر

في صيف العام 2014، أثناء العدوان على غزة، توترت العلاقات بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ووزير خارجيته حينذاك، أفيغدور ليبرمان، على خلفية مطالبة الأخير بعدم الاكتفاء باجتياح محدود لقطاع غزة وقصف مدفعي وغارات جوية، وإنما اجتياح القطاع كله والقضاء على حكم حماس. كذلك طالب رئيس كتلة 'البيت اليهودي'، نفتالي بينيت، بالأمر نفسه. وكان ليبرمان وبينيت حينذاك عضوين في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (كابينيت).

وخلال ولايتي الحكومتين السابقتين، دأب ليبرمان، كوزير للخارجية، على مهاجمة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، واتهامه بأنه يمارس 'إرهابًا سياسيًا'، بعد توجه السلطة إلى المنظمات التابعة للأمم المتحدة والمطالبة بالدخول في عضويتها، وذلك في أعقاب الجمود الذي دخلت إليه العملية السياسية، أي المفاوضات، بين الجانبين.

وفي أعقاب تدهور العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا، بعد مهاجمة سلاح البحرية الإسرائيلي للسفينة 'مافي مرمرة'، في العام 2010، هاجم ليبرمان تركيا، ورئيس وزراءها في حينه، رجب طيب إردوغان، الذي أصبح رئيسا للدولة الآن. وقد بدأت الأزمة في العلاقة بين الدولتين خلال العدوان على غزة في نهاية العام 2008 وبداية العام 2009.

ويجمع الباحثون المتخصصون بالعلاقات التركية – الإسرائيلية، على أن هذه العلاقة تحكمها، بشكل معين، ما يسمى بـ'عملية السلام' الإسرائيلية – الفلسطينية. وكانت العلاقة بين الدولتين تتعزز عندما تكون المفاوضات جارية وتتراجع عند أي أزمة تصيبها. وتحاول تركيا لعب دور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل وممارسة ضغوط عليهما.

وبالأمس، استدعت وزارة الأمن الإسرائيلية المراسلين العسكريين لإطلاعهم على توجهات الوزارة، في عهد وزير الأمن الجديد ليبرمان. وكان اللقاء بين ليبرمان والمراسلين مؤلفًا من قسمين: أقوال ليبرمان في القسم الأول تُنقل على لسانه، وأعلن فيه عن سحب تصريح الدخول إلى إسرائيل من رئيس 'لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي' وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، محمد المدني، بادعاء أنه يقوم بأنشطة 'تآمرية' في إسرائيل و'يؤسس أحزابًا' فيها!

أما القسم الثاني، فإن أقوال ليبرمان نُقلت على لسان 'مسؤول رفيع في وزارة الأمن'. وجاءت التصريحات التي أدلى بها ليبرمان في هذا القسم من اللقاء مع المراسلين العسكريين مطابقة لتصريحاته عندما كان وزيرًا للخارجية.

وقال وزير الأمن ليبرمان إن الحرب المقبلة على قطاع غزة ستكون الحرب الأخيرة، لأنه سيتم القضاء على حكم حماس. ولا شك في أن هذا تصريح بلا رصيد للأسباب التالية: أولا، لا يوجد قرار في إسرائيل بالقضاء على حكم حماس؛ ثانيًا، قيادة الجيش الإسرائيلي تعارض تنفيذ اجتياح شامل لقطاع غزة، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى الغرق في 'وحل غزة' وسيكلف إسرائيل ثمنًا باهظًا من حيث الخسائر البشرية؛ ثالثًا، بموجب المفهوم الإسرائيلي، حكم حماس في غزة و'فتح' في رام الله يعزز استمرار الانقسام الفلسطيني؛ رابعًا، اجتياح عسكري لقطاع غزة يعني ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، أكثر من تلك التي ارتكبتها في الحروب العدوانية السابقة في القطاع، ومشاهد هذه الجرائم ستجعل الرأي العام الدولي معاديًا جدًا لإسرائيل، كما أنها ستحرج النظام المصري الحالي، الشريك في حصار غزة. وخلاصة القول هي أن الوضع الحالي ما زال مريحًا لإسرائيل. 

وكان ليبرمان كوزير خارجية قد تعرض لانتقادات شديدة من جانب زعماء أوروبيين بسبب تهجمه على عباس وقيادة السلطة الفلسطينية، وحتى أن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، دعا نتنياهو إلى إقالة ليبرمان.

لكن يبدو أن حسابات ليبرمان، كانت في الماضي وما زالت اليوم، مختلفة عن حسابات إسرائيل والأوروبيين، وربما الأميركيين أيضًا. فمن جهة، بحسب مصادر إسرائيلية، تربط ليبرمان علاقات متينة ما زالت مستمرة حتى اليوم، مع المنشق عن حركة فتح، محمد دحلان، الذي يسعى إلى خلافة عباس. بل أن محللين عسكريين إسرائيليين وصفا ليبرمان ودحلان بأنهما 'شريكان' من الناحية السياسية. أضف إلى ذلك، أن التهجم على قيادة السلطة الفلسطينية، وعباس تحديدًا، يلقى آذانًا صاغية وتأييدًا في صفوف اليمين الإسرائيلي عمومًا، وليس المتطرف فقط. لكن تجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن ليبرمان هو الوحيد بين رؤساء الأحزاب التي تتألف منها الحكومة الإسرائيلية، الذي لا يعارض حل الدولتين، ولكن لديه صيغة خاصة به تتمثل 'بتبادل أراضي وسكان'.

يهاجم ليبرمان الرئيس التركي لعدة أسباب، أولها أن إردوغان ينتمي لحزب إسلامي، ولهذا السبب ينظرون إليه في إسرائيل بتوجس. الأمر الثاني هو أن إردوغان، ورغم الانتقادات له، يعتبر زعيمًا تركيًا قويًا، وفي إسرائيل لا يحبون الزعماء الأقوياء إن تمكنوا من التعبير عن ذلك (علمًا أنه لا يمكنهم التعبير عن ذلك، مثلا، تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين). لكن تهجم ليبرمان على إردوغان، وقوله في اللقاء مع المراسلين العسكريين، أمس، إنه 'ليس متحمسًا' لاتفاق المصالحة المحتمل بين إسرائيل وتركيا، يتعارض مع موقف الحكومة الإسرائيلية الرسمي. كما أن هذا الموقف يتجاهل العلاقات الاقتصادية المتينة بين الدولتين. فتركيا، بعد الأزمة السورية، باتت تصدر بضائعها إلى دول الخليج عبر ميناء حيفا، ومن هناك تُنقل بشاحنات إلى الأردن ومنها إلى دول الخليج.

تصريحات ليبرمان هذه لم تكن خطابًا يلقيه وزير أمن دولة، وإنما كانت خطابًا سياسيًا موجهًا نحو الداخل، إلى الإسرائيليين.

هذه التصريحات التي أطلقها ليبرمان، بالأمس، والتي تتعارض مع السياسة الرسمية الإسرائيلية، ليس من شأنها أن تقود إلى صدام أو خلاف بينه وبين نتنياهو، إلا لسبب واحد، وهو أن نتنياهو يمكن أن يعتبرها الطلقة التي تعلن بدء سباق انتخابي على أصوات اليمين. إذ أن تصريحات ليبرمان هذه لم تكن خطابًا يلقيه وزير أمن دولة، وإنما كانت خطابًا سياسيًا موجهًا نحو الداخل، إلى الإسرائيليين. وخلافًا لما يعتبر البعض أن تولي ليبرمان حقيبة الأمن هو أمر 'مخيف'، فإن وجوده في هذا المنصب لا يعني الكثير. ويشار إلى أنه عبر بالأمس عن معارضته للبناء خارج الكتل الاستيطانية، وهو ما يعتبر موقف 'معتدل' حيال سياسة سلفه في المنصب، موشيه يعالون، وسياسة نتنياهو أيضًا، التي رصدت معظم الموارد للبناء في المستوطنات خارج الكتل الاستيطانية.

ربما ليس من الصواب التطرق إلى مواقف أقطاب الحكومة الإسرائيلية والمقارنة بين يميني متطرف وآخر أقل تطرفًا. ورغم ذلك فإن ثمة أهمية للتأكيد على أن ليبرمان كان ولا يزال السياسي الذي يسعى إلى تحسين مكانته الحزبية، ويعتقد أن بإمكانه كوزير أمن أن يحقق ذلك، رغم أنه بمغامراته الكلامية قد يحقق العكس، خاصة في حال دخوله في صدام مع قيادة الجيش.     

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018