ما بعد المؤتمر السابع

ما بعد المؤتمر السابع

نيفين أبو رحمون

لعبت التّحوّلات الأخيرة على المستوى الإقليميّ والعالميّ دورًا رئيسًا في تغيير معادلة الصّراع الدّاخليّ في فلسطين، إذ ذهب اليمين الإسرائيليّ بأقسى قوّة له وبكامل ثقله، ومحمولاته الفاشيّة والعنصريّة، نحو شطب وخلخلة الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، وعزل السّكّان الأصلانيّين، وتكريس عمليّات التّهويد.

التّجمّع والشّباب

وفي ظلّ هذه المعادلة الجديدة؛ عاد الاحتلال لصياغة مشروعه التّوسّعيّ ضمن مستويات جديدة، سياسيّة، واقتصاديّة، وثقافيّة، اقتضت من التّجمّع، بدوره، أن يحصّن جبهته الدّاخليّة، وأن يدفع بمشروعه على المستوى الوطنيّ، ليكون مناقضًا ومعطّلًا لطموحات سلطة الاحتلال، فكان الشّباب عنوان المرحلة ومضمونها، نظرًا لما تمثّله هذه الفئة من قوّة في المستقبل، قادرة على تجسيد الهويّة، وترسيخها، الأمر الذي من شأنه منح النّضال الوطنيّ صفة الدّيمومة والتّراكم وعدم الانقطاع أو الدّوران في حلقة مفرغة من العمل السّياسيّ.

إنّ الرّهان على جيل الشّباب في الدّاخل، والعمل عليه، ثقافيًّا، سياسيًّا، واجتماعيًّا، من شأنه أن يجعل الاحتلال أمام معضلة في تحقيق أهدافه، القائمة على الإلغاء، والطّمس، والتّدجين، ومسخ الهويّة.

تنتظر المنتخَبين الشّباب مسؤوليّة كبيرة بما يترتّب في هذه المرحلة حول قيادة المرحلة الخاصّة في التّجمّع، وكذلك حول الدّور القياديّ على المستوى المحليّ في بلداتنا، خصوصًا أنّنا نتحدّث عن قيادات شبابيّة لعبت دورًا مركزيًّا في العمل مع الشّباب الفلسطينيّ، وآخرين قادوا نضالًا وطنيًّا ميدانيًّا كان أبرزه ساحاته مخطّط برافر.

وانطلاقًا من هذا الوعي، وتراكمه في التّجربة السّياسيّة، ذهب التّجمّع إلى خياره التّاريخيّ في مأسسة الحزب وطنيًّا وديمقراطيًّا، عبر تعزيز النّضال الشّعبيّ، وفتح الباب لتوسيع قاعدة المشاركة، من خلال فرز قيادات محليّة ولجان شعبيّة، قادت النّضال الوطنيّ في قضايا مصيريّة على المستوى السّياسيّ والاجتماعيّ، وما تزال هذه القيادات، إلى اليوم، تمارس دورها الرياديّ محليًّا وشعبيًّا. واليوم، عليها أن تقيم أداءَها نحو تعزيز دورها في العمل الوطنيّ السّياسيّ الميدانيّ، وأن تفرض تحدّيات حول الأرض والمسكن والخدمة المدنيّة الأمنيّة وقضايا أخرى حارقة تقود النّضال الشّعبيّ.

 التّجمّع والحكم الذّاتيّ الثّقافيّ

ولأنّ التّجمّع أدرك التّوازنات القائمة في السّياسة الإسرائيليّة، وتوجّهاتها نحو مزيد من التّطرّف، فقد أخذ على عاتقه، في المقابل، تجذير آليّات عمله الدّيمقراطيّ على المستوى الدّاخليّ، وعلى الصّعيد العامّ؛ فأخذ التّجمّع بالتّأكيد على مشروعه في الحكم الذّاتيّ الثّقافيّ، الذي طرحه منذ 20 عامًا وأصبح اليوم عنوانًا جامعا للقوى الوطنيّة. وعليه، أعاد التّجمّع في مؤتمره السّابع من جديد، الملفّ التّربويّ الثّقافيّ إلى الواجهة، باعتباره معركة وطنيّة، تتصدَّر أولويّات المرحلة القادمة، لخلق حالة شعبيّة حول المشروع الثّقافيّ، والتّعامل معه بنفس وطنيّ.

التّجمّع والخطاب الاجتماعيّ

ولم تتوقّف معارك التّجمّع النّضاليّة عند الحدود السّياسيّة والثّقافيّة، إنّما خاض في الفترة الأخيرة معارك شملت ممارسات اجتماعيّة، وخيارات شخصيّة، وصفت بالصّدامية، كونها تركت أثرًا حول علاقتنا كتجّمع مع حركات أخرى، ما ترك جدلًا كبيرًا حول التّعامل مع هذا "الأثر".

وهنا، نعلم أنّ التّجمّع أخفق عندما رأى قضايا الحريّات بمعزل عن همّنا الوطنيّ، وعملنا السّياسيّ. ومجدّدًا، يطرح التّجمّع في مؤتمره السّابع الخطاب الاجتماعيّ ويسلّط الضّوء حول أهميّة تقييم أدائنا وربط مفهوم الحريّات بصلب مشروعنا إلى ترجمة فعليّة على أرض الواقع، في محاولة إلى الوصول إلى النّاس وهمومهم الاجتماعيّة؛ وإن دلّ ذلك على شيء، إنّما يدلّ على قدرة التّجمّع على تطوير أدوات نضاله في كافة المستويات، وفقًا لخطاب مشروع متكامل.

عشرون عامًا من عمل التّجمّع تجعلنا نسأل بمسؤوليّة تامّة عن مفاهيم الخطاب والمشروع الذي نحمل، وعن كيفيّة ملاءمة هذا المشروع في سلوكنا السّياسيّ وأدوات نضالنا. وما بعد المؤتمر السّابع، ندرك أهميّة ما جاء من تسليط حول قضايا عينيّة، ستكون، لربّما، عنوان المرحلة القادمة في السّعي لقيادة التّجمّع إلى التفاف شعبيّ أوسع يجعل من خطابنا بوصلة للعمل الوطنيّ والسّياسيّ.

وفي ضوء ما سبق، يقتضي المسار السّياسيّ للتجمّع، وفي خضم التّحوّلات الأخيرة، تعزيز آليّات نضاله، والصّعود بها إلى مستويات تتلاءم في المواجهة مع الاتّجاه الذي ذهبت نحوه المؤسّسة من تجريم العمل الوطنيّ والسّياسيّ ومن اقتلاع وطمس وإحلال.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018