مرة أخرى عن النضال الشعبي

مرة أخرى عن النضال الشعبي

عوض عبد الفتاح

ربما حان الوقت للتخصص في آليات الردّ على ما يواجهنا من تغوّل إسرائيلي متسارع. حان الوقت لبناء الإستراتيجية الكفاحية المتكاملة، والخطة؛ وتحديد العنوان، وتحديد المختصين.

ما عاد يكفي بعد كل اجتماع وضع مجموعة من الإجراءات، أو النشاطات دون توفر رؤية، وعنصر المرحلية والتراكمية، التي تحقق إنجازات على الأرض.

تتراكم الأعباء، والملفات الكبيرة والكثيرة على كاهلنا كجماعة قومية أصلانية، ونبدو كأننا عاجزين عن الردّ.

'منذ إقامة القائمة المشتركة التي شكلت خطوة تاريخية واستجابة لرغبة شعبية عارمة، لم يتغيّر شيء على مستوى الميدان، ويظهر أن المشتركة تكيفت مع نمط واحد من العمل، من فوق، أي الاكتفاء بالتواصل مع المؤسسات الرسمية' 

إن نظام الأبارتهايد الكولونيالي يسابق الزمن لإتمام السيطرة الكاملة على المكان وعلى الأرض، كمدخل لتقويض الوعي وروح المقاومة والرفض، وبالتالي تجريدنا من مقومات حاضر ومستقبل أفضل، وتركنا نغرق في مشاكل مراكمة هائلة.

منذ إقامة القائمة المشتركة التي شكلت خطوة تاريخية واستجابة لرغبة شعبية عارمة، لم يتغيّر شيء على مستوى الميدان، ويظهر أن المشتركة تكيفت مع نمط واحد من العمل، من فوق، أي الاكتفاء بالتواصل مع المؤسسات الرسمية. نعم لقد وفرت القائمة المشتركة صراعات سياسية داخلية مضرة، وأراحت المواطن العربي من أعباء المماحكات وتبادل الاتهامات، التي كانت تحصل على حساب الحوار السياسي والاجتماعي والفكري البناء ورفعت من مكانة 'الأقلية الفلسطينية' في الخارج. وهذا إنجاز ليس صغيرًا. بالمناسبة، ليس تغييب النقاش العلني داخل المشتركة مفيدًا، بل يجب أن يكون معروفًا ومفتوحًا للمساهمة من الناس.

كان الطموح، أن تتحول فكرة القائمة المشتركة إلى رافعة للوحدة الوطنية، وللفاعلية الشعبية، كما كان الطموح أن يشكل الاتفاق على هيكلية جديدة للجنة المتابعة محفزًا بل آلية لمدّ الجسور مباشرة مع الناس... وإلهام الأوساط الشعبية للخروج إلى الميدان، وتحفيزها على المشاركة في النضالات الشعبية ضد قمع وحظر حركات سياسية، وهدم البيوت وسلب الأرض، وقوانين عنصرية ولكن هذا لم يحصل.

قد يرى البعض أن أسبابًا وجيهة وراء هذا التأخر، مثل المزاج العام السائد الناجم عن واقع المحيط العربي والانقسام الفلسطيني، وانعكاس ذلك على المواطنين العرب. وأسباب أخرى يمكن سوقها، مثل الردع الذي يسبّبه تغوّل حكومة الأبرتهايد الراهنة المحكومة من قبل اليمين المتطرف والجناح الاستيطاني الصهيوني، التي لا تأبه للعالم.

كل هذه الأسباب والظروف، مفهومة ووجيهة، ولا يمكن تجاهلها. ولكن لا يجوز أن تكون رادعًا عن العمل الخلاّق، بل بالعكس، من المفروض أن تكون حافزًا للابتكار، ولاستحداث آليات عمل جديدة. لهل نستطيع التصدي لهذه المهمة!

الجميع يقول إن النضال الشعبي هو الأساس، وأن العمل البرلماني ليس إلا رافعة. وشعبنا في كل مكان مارس ويمارس هذا النوع من النضال.

ونحن فلسطينيي 48، جمعنا خلال مسيرة نضالنا، كافة أصناف النضال المدني؛ القانوني، البرلماني، والسياسي والشعبي والثقافي.

وقد يقول البعض، إن ما حققناه حتى الآن، هو كل ما نستطيع تحقيقه في ظل الواقع العربي والفلسطيني، وفي ظل خصوصية فلسطينيي 48. لا شك أن ما تحقق هو إنجاز كبير، يتمثل هذا الإنجاز، ليس في البقاء فحسب، بل في النجاح في تحوّل مجموعة صغيرة نسبيًا مهزومة وبلا قيادة من الفلسطينيين (بعد النكبة) إلى جماعة قومية كبيرة عدديًا نسبيًا ذات ملامح مجتمع له قياداته السياسية والوطنية.

غير أن حصر النجاح في هذا الجانب، دون النظر إلى نجاح المؤسسة الصهيونية، في السيطرة على الأغلبية الساحقة من الأرض (الخاصة) وما تواجهه الآن بلداتنا العربية من خنق واحتجاز لتوسعها وتطورها، الاقتصادي والاجتماعي والعمراني، إضافة إلى ما حققته من اختراقات داخل مجتمعنا، يؤدي إلى الرضى عن الذات والاسترخاء، وبالتالي يشل القدرة على التفكير والإبداع ويحدّ من روح الإقدام.

كثيرون غيري يعتقدون أنه كان بالإمكان تحقيق نجاحات أكثر، وكان بالإمكان الإبقاء في حوزتنا على أراض أكثر مما نملك الآن، لو طورنا نضالنا الشعبي. ولذلك فإني أعتقد انه حان الوقت لوضع خطة إستراتيجية للنضال الشعبي عبر تنظيم المجتمع.

يمكن إيراد بعض عناصر إستراتيجية النضال الشعبي على أن يُترك المجال لمساهمات من الناس والنشطاء.

أولاً: اجتماع عام للجان الشعبية يكون أشبه بيوم دراسي وليس خطابات، تعرض فيها تجارب النضال الشعبي، للشعب الفلسطيني، منذ العشرينيات حتى اليوم. كما تعرض تجارب شعوب أخرى. وتجري ملاءمتها مع واقع وطبيعة نضالنا ومطالبنا كفلسطينيين نعمل في ظروف المواطنة الإسرائيلية (تجربة برافر نموذج لهذا النضال الشعبي).

ثانيًا: تقوية اللجان الشعبية، وإعادة تنظيمها وتشمل ممثلي الأحزاب ونشطاء شباب، رجالاً ونساءً. ويجري تناوب على تركيزها، إذا تعذر الاتفاق على مركز مُعين.

ثالثًا: خطة عمل تدريجية، تبدأ من لقاءات شعبية أولية، ذات بعد تثقيفي وتوعوي في البلدات العربية وتتطور إلى تظاهرات صغيرة، إلى اعتصامات متواصلة، إلى مظاهرات، ثم إلى حشود ضخمة. يجري اختيار مواقع ساخنة، مثل بيوت مهددة بالهدم، وأراضي مهددة بالمصادرة، وكذلك وسط بلدات يهودية أو يهودية-عربية، مثل بئر السبع، أو يافا، واللد والرملة وحيفا، وعكا، والناصرة، وترشيحا، والمنطقة التي يسيطر عليها المجلس الإقليمي اليهودي (الجليل الأوسط).

رابعًا: حملة تبرعات مالية دائمة، من الناس، لتمويل تكلفة النضال الشعبي. لأن تكلفته كبيرة، وهذا عنصر أساسي في الحفاظ على ديمومة النضال الشعبي.

خامسًا: إقامة لجنة عليا للنضال الشعبي، ليس بديلاً عن أي هيئة تمثيلية قطرية، بل ذراعًا للجنة المتابعة.

لا بدّ من القول إن هذا يصبّ في عملية تنظيم مجتمعنا وتقوية عوده وتحصينه. لنبدأ من هنا... وليكون الشباب الصاعد، الواعد، الناضج، المقدام، عماد هذا المشروع وفي مقدمته.

اقرأ/ي أيضًا لـ عوض عبد الفتاح

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018