شبكات التواصل الاجتماعي في خدمة الاحتلال

شبكات التواصل الاجتماعي في خدمة الاحتلال

نديم ناشف

في 15 تشرين الثاني الماضي، اقتحمت القوات الخاصة الإسرائيلية منزل الطفلة تمارا أبو لبن في القدس المحتلة، والتي تبلغ من العمر 15 عامًا، واعتقلتها، وأوقف والدها على ذمة التحقيق وأحيل للمحاكمة، واستمرّ اعتقال تمارا أبو لبن لخمسة أيام، وغرّمت بمبلغ أربعة آلاف دولار. كل ذلك على خلفية منشور في «فيسبوك» كتبت فيه تمارا كلمة «سامحوني». هذه الكلمة قد تعتبر في سياقات أخرى دراماتيكية بعض الشيء، وقد لا تحصد الإعجابات أو أي تفاعل آخر على الشبكات الاجتماعية، لكنها وبعد الهبة الفلسطينية الشعبية الأخيرة، ومع حملة «اعتقالات الفيسبوك» التي شنتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، باتت كفيلة بأن يتم تفسيرها من قبل الاحتلال على أنها إعلان عن الرغبة بالقيام «بعمليات عنيفة». تمارا، اسم قصة بين عشرات القصص التي رصدها «هاشتاج فلسطين 2015»؛ وهو تقرير جديد أعده مركز «حملة» لتطوير الإعلام الاجتماعي، يستعرض ويحلل قضايا الساعة المطروحة على منصات التواصل في الأوساط الفلسطينية. يشير التقرير إلى ارتفاع نسبة الاعتقالات على خلفيّة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية الهبة الشعبية الفلسطينية في تشرين الأول الماضي. وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فقد اعتُقل أكثر من 150 فلسطينيًّا وفلسطينيّة ما بين تشرين الأول 2015 وشباط 2016، على خلفية ما يسمى بـ«اعتقالات الفيسبوك».

تعتبر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في نهاية العام 2008، نقطة مفصلية في دور الإعلام الاجتماعي الإسرائيلي الرسمي والحرب الإلكترونية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث أسس الجيش الإسرائيلي وحدة عسكرية تتخصص بالإعلام الاجتماعي، وأنشأ في 29 كانون الأول من العام نفسه أول قناة له على «يوتيوب». وفي أعقاب ذلك، شكّلت جميع المؤسسات الرسمية الإسرائيلية وحدات إعلام اجتماعي فعالة، تبث عبرها الرواية الإسرائيلية وتدافع عن الدولة الصهيونية. كما تقوم الحكومة الإسرائيلية بتجنيد منظَّم للمؤسسات الأكاديمية والطلاب الجامعيين، لشن حروب إلكترونية وحملات إعلامية تعزز الرواية الصهيونية في الشبكات الاجتماعية من خلال التعليقات وصناديق الدردشة. بالإضافة إلى ذلك، تدرب المؤسسات الحكومية هؤلاء الطلاب ليكونوا «سفراء» لدولة الاحتلال على المنصات الاجتماعية، خصوصًا في حال أجادوا أكثر من لغة، لتمنحهم إسرائيل المنح الدراسية والهبات المادية والمحفزات الأخرى التي تشجع هؤلاء على خدمة الدولة. مع اشتعال الهبة الفلسطينية الأخيرة، شكلت نائبة وزير الخارجية، تسيبي حوتوفلي، وحدة إعلام اجتماعي جديدة، تتألف بالأساس من خريجي الوحدة العسكرية للتجسس الإلكتروني (8200)، تعمل على متابعة كلمات مفتاحية «تحريضية» على شبكات التواصل الاجتماعي، وتقديم الشكاوى وطلب حذف مضامين ومنشورات تتعارض مع مصالح إسرائيل ورؤيتها، من خلال التواصل المباشر مع مسؤولين بدرجات إدارية عليا في الشبكات العملاقة، نشر وتعميم مضامين البروبغاندا الإسرائيلية. شهد عام 2015 حملة إسرائيلية نشطة، استهدفت المحتوى الإلكتروني الفلسطيني، حيث ضغطت الحكومة الإسرائيلية على بعض المنصات الإلكترونية الضخمة، مثل «فيسبوك» و«جوجل»، في الأشهر الأخيرة من العام، من أجل إزالة محتويات ادعت بأنها «تحرّض على العنف». ونتيجة لهذه الضغوط من أجل إزالة المحتوى الفلسطيني من فضاء الإعلام الاجتماعي، حُذفت قناة حركة حماس على «يوتيوب»، بناء على طلب من وزارة الخارجية الإسرائيلية. وفي تشرين الثاني 2015، عمّمت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا صحافيًا على خلفية الهبة الشعبية الفلسطينية، قالت فيه إن ممثلين عنها التقوا بالمدير التنفيذي لشركة «يوتيوب»، وإنه تم الاتفاق على التعاون سويًا من أجل تطوير آلية لمراقبة وضبط المحتوى المنشور على الموقع، فيما نفت شركة «جوجل» هذه التقارير بعد أيام من نشر البيان الصحافي، قائلة إن اعتمادها قائم على شروط الاستخدام الخاصة بها فقط. وقد صرّحت وزيرة القضاء الإسرائيلية، أييليت شاكيد، قبل أيّام، خلال مؤتمر صحافي عقد في هنغاريا حول التحريض واللاسامية على شبكة الإنترنت، بأن أكثر من 70% من طلبات إزالة المضامين التي تقدمها إسرائيل ضد مستخدمين، غالبًا ما يكونون فلسطينيين، تقبل بشكل فوري. تهدف وحدة النخبة 8200 إلى التجسس الإلكتروني العسكري، لكن تقارير صحافية عديدة تحدّثت عن علاقتها بتأسيس شركات البرمجة الإسرائيلية، حيث كشفت تأسيس خرّيجي هذه الوحدة لأشهر شركات البرمجة، ومنها: Heck Point, ICQ, Palo Alto Networks, NICE, AudioCodes, Gilat, Leadspace, EZchip, Onavo, Singular, CyberArk.  ومع مرور الوقت، بات يتضح مدى انخراط الشركات الإسرائيلية بتزويد المؤسسات الأمنية والعسكرية ببرمجيات تعقب ورصد للفلسطينيين والعرب ومحادثاتهم عبر الشبكات الاجتماعية المختلفة. فمن المعروف على سبيل المثال، أن شركات إسرائيلية مثل IntuView وKapow وBuzzilla، المختصة برصد الإنترنت والشبكات الاجتماعية، والتي تعمل عادة لرصد الحديث حول علامات تجارية، تقدم خدماتها بشكل فعال للجيش الإسرائيلي، من خلال رصد كلمات مفتاحية معينة تظهر بشكل متكرر، بحسب تصريحات لمدراء في الشركات. هذه الرقابة على محتوى شبكات التواصل الاجتماعي هي ما مكّن إسرائيل من اعتقال تمارا أبو لبن والعشرات غيرها. نموذج آخر للاعتقالات على خلفية النشر على مواقع التواصل، هي الشاعرة الشابة دارين طاطور، التي اعتقلتها السلطات الإسرائيلية في 2 تشرين الثاني، بتهمة «التحريض على العنف ودعم الجماعات الإرهابية» عبر «فيسبوك»، لنشرها صورًا ومقاطع فيديو لشهداء فلسطينيين، مرفقة بأشعار كتبتها طاطور. وبقيت دارين في الاعتقال الفعلي لمدة ثلاثة شهور، بعدها حولت للحبس المنزلي وما زالت المحاكمة مستمرة.

خلاصة القول إن الدولة الإسرائيلية مجنّدة بكل أطرها ومؤسساتها الحكومية والتجارية والأمنية والعسكرية لنشر الرواية الصهيونية وتعميمها على العالم، ولمنع أي محاولات تعبير فلسطينية. فالسياسة الإسرائيلية تعتمد على رصد المحتوى الفلسطيني بهدف اعتقال الفلسطينيين وترهيبهم وقمع المشاركة الفلسطينية وتشكيل ضغط متواصل على منصات الإعلام الاجتماعية الدولية، بهدف إزالة المنشورات التي لا تلائم السياسة والسياسيين الإسرائيليين، مستفيدةً من تواطؤ شركات «الهايتك» مع الاحتلال الإسرائيلي، عبر التعاون المباشر والفعال والعلني، أو من خلال المنصات الدولية التي تقدم التعاون من وراء الكواليس. وبعد الاعتقالات والملاحقات التي استندت إلى هذا التعاون، بات مؤكدًا أن المنصات الكبرى تخضع لمتطلبات إسرائيل وتطبق لسياساتها وتساير تعريفاتها للمحتوى التحريضيّ على الإنترنت، بشكل بات معه تعريف القانوني وغير القانوني من صلاحيات دولة الاحتلال.

* عن موقع 'حبر'

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018