أي تعايش نريد ولماذا نحن بحاجة إليه؟

أي تعايش نريد ولماذا نحن بحاجة إليه؟

ممدوح اغبارية

تطفو كل عام على بحر السجال المجتمعي للمجتمع العربي مسألة التعايش العربي-اليهودي. تختلف الآراء والتوجهات بالنسبة لموضوع التعايش وينقسم حوله أبناء المجتمع العربي بين مؤيدين ومعارضين، وأدعي أن للتعايش أنواع ومحاذير عديدة لن تكون مهمة المقال الخوض فيها، إلا بما يخدم السياق.

الادعاء الرئيسي الذي يتناوله المقال ويوضح جوانبه هو أن سلم الأولويات عند القيادة والمجتمع العربي معطوب بالنسبة لنوعية التعايش الذي نحن بحاجة لرفده بالحياة والبرامج والعمل. أنا أدعي بأن التعايش المطلوب في هذه المرحلة هو أساسا تعايش داخلي مبني على الركيزتين، السياسي والديني بين الأحزاب والطوائف والعائلات والبلدات.

التعايش المطلوب أولا هو تعايش بين مكونات المجتمع الفلسطيني، وبعد ذلك يأتي النظر في موضوع التعايش العربي اليهودي الذي كثيرا ما يظهر وهما وعلاقات زائفه تنتجها مؤسسات وبرامج صناعة التعايش العربي -اليهودي بين 'الفاعل' و'المفعول به'. هذه الصناعة هي ذاتها من تصنع الأزمات وتفتعلها بحثا عن التمويل ومصداقية لوجودها.

تجدر الاشارة هنا إلى أن للتعايش أنواع عديدة في سياقنا العربي والفلسطيني الذي نطالب فيه بالمواطنة الكاملة في دولة إسرائيل، أهمها التعايش السياسي بين الأحزاب والتعايش الأهلي بين المكونات الدينية والمذهبية ضمن مجتمعنا.

سيقفز هواة المقولات الثورية مدغدغة المشاعر سريعا للادعاء بأنني أكرس الطائفية والقومجية والفئوية من خلال توجهي هذا باعترافي بوجود الهويات الطائفية والسياسية المختلفة ضمن هويتنا الإنسانية. طبعا هذا الادعاء يندرج ضمن منهجية 'النخبة الثورية' المنعزلة اجتماعيا والمنقطعة عن الواقع في فهمها وتقديرها لمدى مركزية الهويات الدينية والسياسية في تكوين الهوية الجمعية. هذا الادعاء قوامه أن للدين والجهوية السياسية جزء هامشي في الهوية الوطنية المشتركة. ادعاء لا يعترف بأهمية الدين في الموروث الحضاري والتشكل القومي لهذه الأقلية داخل إسرائيل وفي الوطن العربي عموما.

تعصف بالمجتمع العربي بين الحين والآخر، اقتتالات واصطفافات أيدلوجية ما بين علمانيين ومتدينين وما بين مؤيدي الأحزاب المختلفة أو بين أتباع الطوائف والمذاهب بأنواعها. وقد تكون المشاهد التي احتوت على أشد مظاهر العنف والتحريض والإلغاء هي التي رأيناها في باقة الغربية مع علي مواسي والمغار بين الديانات وأم الفحم مع قصة الدبكة، والطيرة والاعتداء على حنين راضي. كلها قصص ونماذج تدل على أهمية منح التعايش الداخلي المبني على التعايش السياسي والديني أولوية العمل والحراك لدى قياداتنا ومؤسساتنا. وما أحوج المجتمع العربي حقا للتعايش فيما بينه تحت مظلة تحترم الفرد والجماعات دون تمييز وتحافظ له على كرامته الإنسانية وتحترم عباداته ومعتقداته وممارساته الدينية.

أخيرا، لا بد من التأكيد على أن لا بديل عن الهوية القومية الجامعة للعرب التي تضم كافة الهويات الفرعية تحت رايتها. لكن تكريس الهوية الجامعة لا يعني بالضرورة تهميش الهويات الفرعية وطمسها، بل المطلوب هو الوعي بها وتهذيب مكوناتها من أجل أن تتسق وتتماسك بما يكفل لنا إمكانية التصدي لمحاولات الشرذمة والتذويب والتفرقة.

اقرأ/ي أيضًا لـ ممدوح اغبارية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018