مهام التجمع في هذا الزمن الخطير

مهام التجمع في هذا الزمن الخطير

د. إمطانس شحادة

تُحدد الأحزاب السياسية العربية، الفاعلة في المجتمع الفلسطيني بالداخل، مهامها وفقًا لتعريف الحزب لذاته وقراءته لطبيعة الصراع بين المجتمع العربي والنظام القائم في دولة إسرائيل، ورؤيته لمكانته في المشروع الوطني الفلسطيني العام.

هناك أحزاب ترى أنّ دورها الأساسي يتمحور في القضايا المعيشية الطبقية والهموم اليومية للمواطن العربي، وهناك أحزاب تهتم بالبعد الديني، كما أن هناك أحزابا تهتم بالجانب القومي والصراع الإسرائيلي العربي بالأساس، وهناك حزب يرى أن إهمالا واحدا من محاور معاناة المجتمع العربي، القومي أو المدني، يؤدي إلى إنتاج خطاب سياسي مبتور فشل تاريخيًا في تقديم حلول حقيقية مستدامة لقضايا المجتمع العربي ولتغيير مكانة المجتمع العربي في ظل النظام القائم. لذلك، لا مفر من الدمج بين اليومي والقومي وبين المعيشي والقومي.

هكذا شخّص التجمع الوطني الديمقراطي، منذ تأسيسه، حالة الفلسطينيين في إسرائيل وطرح مشروع دولة المواطنين وتنظيم المجتمع العربي على أساس قومي ديمقراطي، والدمج بين القضايا القومية واليومية كحل لمسألة الفلسطينيين في الداخل.   

لم تتراجع حاجة وأهمية الدمج بين القومي والمدني وبين المعيشي والقومي بعد مرور أكثر من عشرين عاما على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، بل إن الظروف الراهنة؛ اشتداد سيطرة الصهيونية التصحيحية اليمينية الدينية على المجتمع اليهودي ومؤسسات دولة إسرائيل، تراجع المشروع العروبي إقليميا، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني وانهيار أوهام أوسلو؛ تفاقم الضائقة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدى المجتمع العربي، تستدعي جميعها إعادة توضيح مهام التيار القومي في الداخل وتوضيح محاور الاستحقاقات الراهنة: مأسسة وتنظيم التيار الوطني وترتيب البيت الداخلي، توسيع العمل داخل المجتمع العربي، زيادة التأثير في القضية الفلسطينية وإعادة الاعتبار للمشروع القومي الديمقراطي في الحالة العربية.         

إنّ مواجهة التحديات الآنية والمستقبلية تفرض على التجمع الوطني الديمقراطي، أولا وقبل كل شيء، مأسّسة وترتيب البيت الداخلي وتفعيل فروع الحزب بشكل عصري وحديث بما يتلاءم مع تطورات حقل الاتصالات الحديث لزيادة التواصل بين أعضاء الحزب ومؤيديه والتواصل مع الناس وقضاياهم. على التجمع أن يزيد من تواصله مع الناس لأن التجمع لا يختزل عمله ومشروعه في الحقل البرلماني فقط، ولا يرى أنّ البرلمان هو المنصة الوحيدة أو الأهم لنضال الفلسطينيين في الداخل، بل يرى أن همّه الأول هو العمل داخل المجتمع وإحداث تغيير في المفاهيم والقيم والتصرف، أبرزها بناء أجيال جديدة ذات انتماء وطني قومي وهوية عروبية متينة، تتناغم وتترعرع في ظل عملية تعبوية تحتكم للنهج والفكر الديمقراطي. إنّ تثقيف الأجيال الشابة على قيم الانتماء للجماعة وتوضيح وظيفة الفرد في المجتمع والعطاء لمجتمعنا وأن مصلحة الفرد من مصلحة الجماعة، يساهم بشكل حاسم في محاربة آفة العنف واللامبالاة والطائفية والحمائلية البغيضة. كما علينا التوضيح أن حاجة المشروع القومي للنهج الديمقراطي هو لتعزيز متانة المشروع وصموده. الديمقراطية ليست ترفا للمشروع القومي إنما شرط بقاء. يتعين علينا أن نمارس الديمقراطية ونذوت معانيها بالممارسة وليس بالتغني وألا نستعيض عنها بالكتابة.   

في هذا الزمن الخطير المخادع والذي يهدد الجذور الحقيقية لمركبات الهوية والانتماء العربي، في هذا الزمن الذي يعادي الفلسطيني أخاه الفلسطيني بسبب انتماء أو موقف سياسي، في هذا الزمن الأسود الذي تراق فيه الدماء العربية ويريدون لنا العودة إلى الهويات القبلية... في هذا الزمن تحديدا يبرز الدور والحاجة إلى المشروع القومي العروبي الديمقراطي.

في ظل كل هذا يرى التجمع أن مهامه تتوسّع. للتجمع ما يقوله وما يفعله في القضايا الداخلية اليومية، وفي كيفية مواجهة المنظومة الاستعمارية الصهيونية، وفي كيفية الحفاظ وتعزيز العمل الجماعي وتوسيعه وفي كيفية تقوية القائمة المشتركة.

في محور تقوية وتنظيم العمل الجماعي وتنظيم المجتمع الفلسطيني في الداخل سيبادر التجمع إلى منتدى للحوار السياسي مع الأحزاب العربية، بغية توسيع القاعدة السياسية الجماهيرية للقائمة المشتركة والعمل على وضع برنامج عمل سياسي أشمل وأعمق للعمل المشترك. على الأحزاب العربية بكافة أطرها أخذ دور أكبر في بلورة هذه البرنامج وأن لا يترك للقائمة المشتركة فقط. كما سيقول التجمع قوله في القضية الفلسطينية، وليس فقط عبر بوابة السلطة الفلسطينية، بل أيضا عبر التواصل مع كافة التيارات والفعاليات الفلسطينية، لأننا جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني، ونحمل هموم شعبنا الفلسطيني، ونتحمل أيضا مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا ضمن خصوصيتنا وأدوات النضال المتاحة.

كحزب قومي عروبي ديمقراطي فإن للتجمع رسائل ينبغي أن يوجهها إلى محيطنا العربي، بحيث يصبح التجمع رأس الحربة في إعادة الاعتبار للمشروع العروبي القومي الديمقراطي الذي يعمل على حماية شعبه وتطويره ويسعى لتحقيق رفاهيته وكرامته، ويُحصّن المجتمعات العربية أمام أي تدخلات خارجية وأي مشاريع فتن وتفتيت داخلية، ويمنع الوقوع في مصيدة تحويل الدول إلى حظائر خاصة بالعائلات الحاكمة. مناعة وحصانة المجتمعات العربية لا تكون دون كرامة أو حقوق أو دون حريات، وهي الكفيلة بأحداث تغيير شامل في الواقع العربي.      

المهام الجسيمة أمامنا كبيرة وشاقة، وكلي ثقة أن قيادة التجمع التي تجمع بين خبرات الأجيال المؤسِسة والطاقات الشبابية الواعدة، ستقوم بهذه المهام وتتخطى الصعوبات والتحديات. يجب أن ترعى القيادة عملية تغيير إيجابي جذري في كافة مناحي فعاليات الحزب وتجديد أنماط عمله التقليدية السابقة، بحيث يكون عنوانه المراجعة النقدية والنهوض والانطلاق في إطار عمل جماعي ومسؤول ومهني وشفاف، يخدم أبناء شعبنا وقضيتنا.

*الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018