المعلم السوّاح

المعلم السوّاح

سهيل كيوان

وقفت معلمة الصف الثالث في اليوم الأول لدخول الطلاب المدرسة وسألتهم: أين سافرتم في العطلة الصيفية؟ وتقصد طبعًا السفر إلى خارج البلاد.

ما الذي تقصده معلمة صف ثالث أو رابع عندما تسأل هكذا سؤال؟ هي تقصد القول إنها سافرت، وإنها تتوقع أن طلابها ميسورون وسافروا كلهم لـ'شمة الهواء' واستمتعوا بالعطلة خارج البلاد، وليس عليهم الآن سوى الحديث عن مغامراتهم الجميلة، فيبدو أن حلاوة السفر ما زالت تحت لسانها وبين جوانحها.

هذا في الوقت الذي يوجد فيه من طلابها ممن لم يحضروا حقائبهم ولوازمهم المدرسية كاملة بسبب فقر ذويهم وعدم قدرتهم على تزويدهم وحتى كسوتهم المطلوبة في العام الدراسي الجديد. إحدى الأمهات التي رافقت ابنتها إلى المدرسة بكت عندما رأت ردود فعل بعض الطلاب على هذا السؤال السطحي، الذي ينم عن نفسية وشخصية غير ناضجة لمهنة التعليم شديدة الحساسية وخصوصًا في الجيل الغض الذي ما زال صفحة بيضاء قد تخدش روحه أي ملاحظة أو سؤال في غير زمانه ومكانه.

أحد الطلاب خبأ رأسه تحت المقعد خجلا هاربًا من المشاركة، فهو لم يسافر إلى أي مكان، بل وربما اشتغل في بيع بعض الثمار على الشارع مثل التين والصبار كي يصرف على نفسه ويسهم في اقتصاد أسرته!

أكثر من طالب واحد أحمر وجهه خجلا، ولم يعرف كيف يتفاعل مع هكذا سؤال مباغت، وربما ظن بعض الطلاب أن ذويهم  مقصرون معهم لأنهم لم يأخذوهم برحلة إلى خارج البلاد، وربما ظنوا أن والديهم بخلاء... وربما حدثوا أنفسهم 'لماذا لا يكون والداي مثل والديّ فلان'... أو 'كنت أتمنى لو أن والدي فلانًا وليس هذا البخيل الذي أعرفه...'.

أما أحد الطلاب فقد اضطر للكذب عدة مرات وهو يعيد صياغة حديثه من جديد عن سفرة تخيّلها في بلاد بعيدة وراء البحار، كي يظهر أنه ليس أقل من أولئك الذين سافروا بالفعل إلى شرم الشيخ أو أنطاليا وهم قلة في الصف على كل حال، فيما ركزت المعلمة على طالب من أسرة ميسورة وطلبت منه أن يحكي عن تفاصيل رحلته إلى أوروبا ومشاهداته ثم راحت تسأله... وهل زرت كذا! وكيف رأيت كذا! وكيف الطعام والشوارع والنوافير... وهو أمر بلا شك أثار غيرة أكثر الطلبة وأشعر بعضهم بالخجل والحرج والنقص، وجعل البعض يكره والديه اللذين لم يسافرا به حتى إلى يافا أو عكا أو حيفا.

لا أفهم مغزى مثل هذا السؤال وما هي فائدته التعليمية، وهل باتت شرم الشيخ وأنطاليا وأوروبا والحديث عن السفر إلى خارج البلاد ضمن المنهاج الدراسي! الأمر الذي أرغم هذه الأم على أن تشرح لابنتها لماذا لم يسافروا إلى خارج البلاد، وذلك أن والدها عامل لا يستطيع ترك عمله في هذه الفترة... وحينئذ تنفست الطفلة الصعداء وقالت الحمد لله فقد حسبت أننا لم نسافر لأننا فقراء!  

إذا كان لا بد من الحديث عن العطلة الصيفية وهذا مقبول، فأذكر أن المعلمين كانوا يطلبون من الطلاب كتابة موضوع إنشاء 'كيف قضيت العطلة الصيفية'، حينئذ كان الطلاب يكتبون ما يحلو لهم التعايش معه، وما عاشوه بالفعل وما يتخيلونه بدون إحراج السؤال البائح أين سافرت في العطلة!

هذه المعلمة  ذكّرتني بمعلم كان يرسل طالبا أثناء الحصة ليشتري له الشوكلاطة والبسكوت وزجاجة مرطبات، ثم يبدأ بالتهامها في الحصة ببطء أمام الطلاب، ويتلذذ 'بتعذيبهم' وهو يقضم ويشرب ببطء ويسألهم  بسادية... من فاض ريقه منكم! ومن جف حلقه!ه ل تحبون الشوكلاطة!

هذا حصل قبل عقود لم يكن وقتها معظم الطلاب قادرين على شراء هذه 'الطيبات' بخلاف هذه الأيام التي فيها الوفرة عمومًا، وطبعًا هذا التصرّف الذي يبدو بسيطًا، لم يُكسب المعلم شعبية كبيرة لدى معظم الطلاب المحرومين، فكرهوا دروسه بل ما زال بعضهم يذكر له هذه 'الأفاعيل' بغير وُد حتى يومنا. 

قيل الكثير بمهنة التعليم والطرق الأنجع وغيرها، ولكن إلى جانب التحصيل العلمي هناك أيضا الجانب المشاعري أو جانب الأحاسيس التي على المعلم أن يتقن وتحريكها نحو الجمال والرقيّ، وأن يتخذ منها وسيلة لدخول قلب الطالب الذي حتمًا سيحب الدرس إذا أحب معلمه. هذا ذكره الأوائل مثل أبي علاء المعري وابن خلدون وابن رشد وابن حزم الأندلسي وغيرهم، وسوف يتراجع ولن يستوعب التعليم جيدا إذا شعر بنفور من المعلم، التعليم فن وليس عملا وظائفيًا مثل المهن الأخرى، لأنها مهنة تتعامل مع نفس وروح الإنسان وليس مع العقل  فقط، وإذا كان العقاب الجسدي بات ممنوعا في المدارس فهناك أيضا مشاعر ونفسيات يجب مراعاتها.

اقرأ/ي أيضًا| تجارنا وتجارتنا وبضائعنا وزبائننا الكرام...

صحيح أن النتائج قد لا تظهر مباشرة كما تظهر نتائج العمل في مهن عملية، ولكن بلا شك أن النتائج أخطر بكثير من خطأ في تجليس سيارة أو بطلاء مدخل بيت، فالبناء هنا هو بناء إنسان وتأهيله للتميّز ولمواجهة الحياة وليس فقط بالدروس والمواضيع الأدبية والعلمية، بل وبشحنات من المفاهيم والقيم والحساسية، بقبحها أو جمالها والتي سترافقه طيلة حياته، والتي سيكون لها التأثير الكبير عليه وعلى المحيطين به وعلى مجتمعه. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018