نعم لاحتفالات الفرح... لا للتخلف والظلام...

نعم لاحتفالات الفرح... لا للتخلف والظلام...

سهيل كيوان

أقدم مجهولون على إحراق منصّة احتفاليّة في مدينة الطّيبة، وهي التي سيقيم عليها الفنّان هيثم خلايلة، أمسية فنيّة احتفاليّة، بمناسبة العيد.

أغلب الظّنّ أنّها نفس الأيدي التي منعت عرضًا مسرحيًّا في مكان ما، والتي اعترضت على عرض فيلم، وهي الأيدي التي منعت إجراء مسابقة رياضيّة في الطّيرة وأطلقت النّار على صاحبة الفكرة، وهي الأيدي التي يقف وراءها فكر يطمح إلى تعليب شعبنا كلّه في بوتقة فكريّة ومنهاج حياة واحد، ضمن مفهومها الضّيّق للحلال والحرام، فيعتدون على حريّات الآخرين، وعلى خياراتهم الثّقافيّة والاجتماعيّة وحتّى على  طعام وشراب ولباس النّاس.

في هذا الوقت بالذّات، وقبل أيّام، رفضت حلّاقة في الدّنمارك صبغ شعر امرأة مسلمة لأنّها ترتدي الحجاب، ممّا حدا بهذه السّيّدة إلى تقديم شكوى للشرطة، وقد غرّمت الحلّاقة بحوالي 1000 دولار لممارستها تمييزًا عنصريًّا على أساس دينيّ! كذلك أرغمَ رجال شرطة فرنسيّون امرأة مسلمة على خلع لباس السّباحة (البوركيني)، لأنّه يشير إلى دينها! في هذا الوقت يطلّ عندنا هؤلاء الذين  يحاولون منع النّاس من أداء وممارسة حياتهم الطّبيعيّة  كما يطيب لهم الأمر الذي يضع حارقي المنصّة في بوتقة  واحدة مع أولئك العنصريّين الذين يضيّقون على المسلمين من منطلقات فكريّة، إنّها الممارسة القبيحة نفسها ولكن تأتي من قبل مسلمين متزمّتين ضدّ مسلمين وعرب يختلفون معهم في فكرهم ونهج حياتهم اليوميّ.

كنت سوف أنسب هذا الفعل التّخريبيّ لأيدٍ مشبوهة ظلاميّة تريد لنا كأقليّة قوميّة أن ننشغل بمقارعة بعضنا البعض وزرع الكراهيّة بيننا، ولكنّ تكرار هذه الظّاهرة وعدم التّصدّي الحازم لها، بل والتّواطؤ معها من خلال الصّمت وعدم الاستنكار أو من خلال دعمها بالخطب، يقول إنّ هناك شريحة وإن كانت هي الأقليّة في مجتمعنا، لكنّها تحاول فرض نهج حياة على الجميع، كما هي تريد وتفعل هذا عن إيمان أيديولوجيّ.

من جهة، نتذمّر من ظلم العالم للمسلمين، ونريد أن يسمح لهم بممارسة شعائرهم ولباسهم وقناعاتهم وأن يمنحهم حريّة التّعبير والصّلاة وغيرها، وفي الوقت ذاته لا نسمح لابن بلدتنا وجارنا وابن قوميّتنا وديننا من ممارسة الحياة، كما يريدها ويحبها، يريدون حرمان شبابنا من الاحتفال في فرحة العيد!

السّؤال الذي أوجّهه إلى هؤلاء الذي يحرقون ويهدّدون!

هل تعتقدون أنّ من كان يريد الحضور إلى الحفل سوف يتراجع! وإن تراجع! فهل تراجعه نابع عن خوف أم عن قناعة! وإذا تراجع عن خوف فما قيمة تراجعه!

هل تستطيعون الادّعاء بأنّ دينكم هو دين تسامح، بعد أعمال تستكثر الفرح على النّاس! وكيف تطلبون التّسامح من الآخرين المختلفين معكم، بينما أنتم لا تتسامحون مع فرح غيركم!

الحريّة لا تتجزّأ، فلا يمكن أن تطلب الحريّة لنفسك ثمّ تحرمها على غيرك، لا يمكن أن تطلب التّعدديّة الفكريّة لتجد لك فيها حيّزًا ثمّ تمارس قمعًا فكريًّا للمختلف معك، لا يمكن لك أن تفرض قناعات فكريّة على مجتمع فيه الكثير من الأطياف الفكريّة والقناعات المختلفة!

ممارسة العنف لفرض نهج حياة معيّن، ستؤدّي حتمًا إلى الفشل، وإلى استقطاب بين أبناء المجتمع الواحد، وسوف تسمح لأعداء هذه المجتمع بالتّدخّل والتّخريب والاصطياد في المياه العكرة!

إحراق منصّة احتفال غنائيّ في الطّيبة هي محاولة لمنع النّاس من الفرح المشروع في أمسية عيد، ومحاولة للعودة بعجلة الزّمن إلى عصر ما قبل الهاتف والمذياع ومصباح أديسون! في الوقت الذي لا تستطيع فيه اليوم منع إنسان أو إنسانة من سماع أيّ أغنية، ولا مشاهدة أيّ فيلم مهما كان نوعه، ولا تستطيع أن تتحكّم بمشاعر أيّ إنسان، وإذا كنت تعتقد أنّ العنف قادر على تحقيق ذلك فأنت واهم وتعيش في عصر ما قبل الهاتف النّقّال والفضائيّات والتشات والفيسبوك.

لم يعد ممكنًا عزل النّاس حتّى في أعتى الأنظمة قمعًا، ولا يمكن عزل السّجناء في سجونهم، فما بالك بعزل مجتمع حيويّ يخرج رجاله ونساؤه إلى العمل في كلّ صباح ومساء! في وقت فيه وسائل الاتّصال والمواصلات باتت متوفّرة لكلّ فرد وفرد حتّى في غرفة نومه. 

عمليّة منع احتفالات ونشاطات ترفيهيّة في قرانا ومدننا خطيرة بشكل كبير، لأنّها تدفع شبابنا إلى اليأس والملل، والهرب إلى المدن اليهوديّة للعثور على ضالّتهم في ساعة راحة للتنفيس من ضغوطات الحياة عليهم!

نحن نناقض أنفسنا عندما لا نريد لأولادنا ولنسائنا السّفر للمدن اليهودية لتجزية الوقت فيها، خصوصًا في الليل! ولكننا في الوقت ذاته نحاول حرمانهم من الاحتفال والفرح في بلدهم.

نريد الاحتفالات في مدننا وقرانا، نريد ترفيهًا لشبابنا وشابّاتنا في بلداننا بجانب بيوتهم وفي ملاعبنا وساحاتنا، تغني شبابنا عن الخروج إلى المدن اليهوديّة، ومن يمنع حفلًا كهذا إنّما يدفع بشبابنا إلى الشّوارع والبحث عن بدائل قد تكون بعيدة وخطيرة.

إنّ اليد التي أحرقت منصّة احتفال في الطّيبة تحرق نسيجنا الاجتماعيّ، وتحرق آمالًا وطموحات كبيرة، وتدفع بمجتمعنا وخصوصًا بشبابنا إلى اليأس، ولهذا، على شعبنا بكافّة مركّباته التّصدّي لهذه الفئات السّاعية لتمزيق مجتمعنا، نحن قادرون على التّحدّي والنّصر ومنح شبابنا الأمل ونيل نصيبهم من الفرح في هذا الزّمن البخيل المتذبذب المظلم.

اقرأ/ي أيضًا لـ سهيل كيوان