وكلاء عرب للإعلام الصهيوني

وكلاء عرب للإعلام الصهيوني

سهيل كيوان

لم يتوقف الإعلام الصهيوني عن تشويه صورة العربي ونزع إنسانيته عنه منذ بداية الصراع على أرض فلسطين، وتجلى هذا بتشويه شخصية العربي وتصويرها انتهازيةً وسخيفة وركيكة ورخيصة، والتشكيك بقدرتها على النضال وعلى التنظيم واللحاق بركب الشعوب!

هناك قصص لا تنتهي عن خيانة العربي للمجموعة ولقضيته ولاستعداده الفطري للخيانة، مع تجاهل تام لقوافل من مئات آلاف، بل ملايين الشهداء العرب الذين ضحوا بأنفسهم لأجل أوطانهم بإيثار نادرًا ما عرفته شعوب أخرى، ومع تجاهل تام لتضحيات مئات آلاف الأسرى العرب وأسرهم، وإنكار لأي إضافة إنسانية قدمها العرب للبشرية، وإذا اعترفوا للعرب بإنجاز ما، فبطريقة توحي بأنها حادثة عرضية شاذة، فكل ما يصنعه العرب يقع تحت طائلة النوايا السيئة والجشع أو الرغبات الجنسية المكبوتة، وقد دأب هذا الإعلام على سياسة فرق تسد فرسّخ الطائفية، بل واخترع قوميات جديدة، ورسّخ العشائرية والقيم السلبية في مجتمعنا العربي واعتبرها تراثًا، فسمح لفترة طويلة بإطلاق النار في الأعراس وما زال يتغاضى وتساهل مع قتل النساء على خلفيات ما يسمى شرف العائلة، وهناك تجاهل وتقصير في التحقيق الجدي في جرائم القتل وقضايا قتل نساء بشكل خاص وتتم غمغمة جرائم من هذا النوع بما يلائم مصلحة السلطة باستمرار هذه الحلف الدموي بينها وبين الجريمة والتخلف والجهل. وقد نجح هذا الإعلام بزرع عقدة نقص لدى فئات من العرب صارت تردد ما يردده، بل وصارت تنثر النكات عن العربي القبيح الجشع الغبي كما يصوره هذا الإعلام.

لكن هذا الإعلام الصهيوني بات مفضوحًا لدى أكثرية جماهيرنا، إذ تعلّم شعبنا الدروس ونشأت شرائح من المثقفين ومع تأثيرات المد العروبي في الحقبة الناصرية ومع دور الصحافة اليسارية في حينه، مثل الاتحاد والجديد والغد التابعة للحزب الشيوعي، و'هذا العالم' التابعة لحزب المبام، ومع ظهور أساتذة وطنيين تصدوا وردا على هذا الإعلام، حيث صار يجد صعوبة في تسويق بضاعته القديمة وظهرت حركات قومية، أهمها ظهور التجمع الوطني الديمقراطي الذي كسر احتكار الشيوعيين غير الصهيوني. وزرع التجمع في الأجيال الصاعدة ثقافة الانتماء والاعتزاز والكبرياء العروبي، وبما أن الآلة الصهيونية الإعلامية باتت مفضوحة، فقد رأت السلطات أن توكل مهامها الإعلامية التدميرية لأقلام وأصوات ووسائل إعلام، تحمل أسماءً عربية ولكنها في الواقع تقوم بعمل (الوكيل) للسياسة الإعلامية الصهيونية، رغم ساتر الغبار من الشعارات الوطنية.

هذه الوسائل لا تستطيع أن تبث سمومها مباشرة إلى المواطن العربي، فتحرّض على قياداته في عملية تشويه طويلة ومدروسة لنزع الشرعية عنها وشيطنتها وتصويرها كأنها هي المشكلة في الحصول على الحقوق، ومجاملة الأصوات المتواطئة تحت مسميات كثيرة أهمها الواقعية والبراغماتية، في مسيرة باتت واضحة لـ'هرشنة' الجماهير العربية، أي تحويلها على شاكلة فتاة تدعى لوسي هريش، تبكي وتستجدي بيبي نتنياهو بأن يتقبل إسرائيليتها وأن يتكرم عليها بالفتات، ولهذا نجد أن القيادات المواجهة الصدامية تتعرض للهجوم المستمر من وسائل الإعلام بلسان عربي وقلب متأسرل، ثم  الاعتقالات والملاحقات كما حدث اليوم مع قيادات التجمع الوطني وكذلك مع قيادات إسلامية تواجه مشروع الأسرلة والهرشنة.  

لهذه المهمة يوظف أصحاب وسائل الإعلام 'العربية' أقلاما وأصواتا قد تكون مهنية وتدري ما تفعله وهي تهاجم وتقرض بمصداقية القيادات العربية المواجِهة، أو تمثل بأنها لا تدري، ومنهم أغبياء يظنون أنهم يخدمون بهذا مجتمعهم.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال بأن لا ننتقد ما هو سلبي في تصرفات ومواقف قيادات الجماهير العربية، فليسوا  معصومين، وليس علينا أن نسير وراءهم كالقطعان، ولكن هناك فرقا بين النقد البناء الذي يقصد منه تدارك خطر ما بالفعل أو تصحيح مسار لمصلحة الجماهير، وبين الاصطفاف إلى جانب الأصوات الأكثر تطرفا على الساحة الإسرائيلية في قضايا ومواقف بعينها، صار واضحا أن هناك من هو مستهدف ويتعرض لهجوم مستمر من قبل الإعلام 'العبري' فيلحق به الإعلام 'العربي' المذدنب بحجج تافهة، في السنين الأخيرة يتعرض التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية لحملة الشيطنة بهدف تقليم أظافر هذه الجماهير وإسكاتها. وكان أكثرها تفاهة انتقاد حنين زعبي، لرفع صوتها 'أكثر من اللازم'، وقبل أيام الهجوم العربي العبري على النائب باسل غطاس، لأنه ذكر تاريخ شمعون بيرس المحتضر على صفحته في الفيس بوك!

وهناك برنامج كان يبث في إذاعة بالوكالة 'عربية' ليس له من عمل سوى تسفيه نضال ومواقف القيادات العربية مع التركيز على نواب التجمع الوطني الديمقراطي، حتى صار يحمّل المسؤولية للقيادات العربية عن زعرنات بعض الشبان العرب في الأمكنة العامة، والأنكى تحميلهم مسؤولية هدم البيوت العربية بحجة ماذا فعلتم! بدلا من توجيه السهام لسلطات الهدم المنهجي!

اقرأ/ي أيضًا | اعتقال رئيس حزب التجمع وقياديين ونشطاء بارزين

الواضح في هذا الإعلام العربي المرتشي أنه يعمل كوكيل، لما يريد زرعه الإعلام الصهيوني بيننا وفي وعينا، من تمزق وضعف ووهن، الإعلام الصهيوني عندما وجد نفسه عاجزًا ومفضوحًا، أوكل هذه المهمة لوكلاء عرب، وطبعا كل شيء بثمنه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018