استهداف التجمع... لن نهاب ولن نلين

استهداف التجمع... لن نهاب ولن نلين

نزار السهلي

درجت في ثقافة رسمية عربية وفلسطينية، في مرحلة ما مستمرة حتى يومنا هذا، حالة "التغني والتمجيد" بنضالات شعبنا داخل الخط الأخضر، كحالة استعمالية لم تخرج عن إطارها الشعاراتي الضيق، ما الذي يعنيه أن تكون في كتب الثقافة والأدب ما قدمه غسان كنفاني عن الأدب الفلسطيني والنضال الفلسطيني من ثورة الـ36 حتى عام 48؟ دون الاستثمار في هذه الثقافة والبناء عليها، وما الذي تعنيه أخبار الاستهداف للتجمع أو الحركة الوطنية، ليس في ثلاثينات القرن الماضي، بل منذ عقدين إلى يومنا هذا، وكيف نفهم حالة السقوط والانحدار حتى بعدم إيراد خبر في وسائل إعلام تعتبر نفسها "وطنيّة أو قومية ممانعة" عن الاستهداف المتواصل للحركة الوطنية، غير الأخبار الاستعمالية أو في شقها الآخر شامتة ومباركة لهذا العدوان، طبعًا، ليست حالة طارئة في فهم مآلات السياسات والمواقف المتصهينة، لهذا، يدرك أصحاب الأرض طبيعة المعادلة الصراعية والتناحرية مع سياسات الأسرلة والطمس والإذابة التي تقع على عاتق المحتل وبعض من النظام الرسمي العربي والفلسطيني، الذي يرى في مجموع أصحاب الأرض "أقليّة" ذات شأن إسرائيلي داخلي.

"إسرائيل تقرأ من الواقع أمرين: حالة عربيّة رثّة وحالة فلسطينيّة بائسة؛ الأمر الذي يلقي بظلاله على الفلسطينيين بالداخل، الذين تقرأهم إسرائيل شوكةً وحيدةً تخرج عن السيطرة الإسرائيليّة"، بهذه الكلمات علقت النائبة عن حزب التجمع في الكنيست، حنين زعبي، على حملة الاعتقالات التي طالت رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي وعددًا من قيادات وكوادر ونشطاء الحزب ، الحملة الإسرائيلية الجديدة القديمة  التي تستهدف حزب التجمع الوطني الديمقراطي وقياداته السياسية بدأت منذ عقدين، أي بعد ظهور الجسم السياسي والحزبي بفاعلية كبيرة داخل المجتمع الفلسطيني عام 48، بالتالي، ليست منفصلة عن الاستهداف السياسي الذي يطال مجمل الحركة الوطنية بالداخل وقياداتها، لكن في حالة استهداف التجمع من المؤسس إلى القيادات الحزبية والشبابية وانهماك المؤسسة الأمنية الصهيونية لبلورة عدة قوانين عنصرية وأمنيّة وسياسية للنيل منه بتوصيات من أعلى المؤسسات الصهيونية، يدلل على المكانة التي يحتلها بين أبناء شعبه ونمو شوكته أكثر  وأكثر في حلق المحتل، الأمر الذي يجعل إقامة الدليل على أن طبيعة الاستهداف الأمني والسياسي الذي انتهجته الحكومات الإسرائيليّة، منذ رئاسة حكومة أرئيل شارون، حتى نتنياهو وبعد مراحل مختلفة من تطور نضال حزب التجمع يشكل مخاطر حقيقية على سياسات المحتل، الذي أدرك، منذ البداية، انكسار وتحطم رواياته في الأسرلة والتهويد والتزييف ومحاولة تطويع وعي سكان البلاد الأصليين.

غير أن المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، الذي شكل ميدان الفعل الأساسي للتجمع، لم يبق محايدًا كما العمل الحزبي والسياسي الذي ساد في سبيعينات وثمانينات القرن الماضي، بل تفاعل مع كل القضايا، بدءًا بالهوية والانتماء، مرورًا بطروحاته السياسية والثقافية التي صاغت علاقاته بين كل الأطراف المكونة للحركة الوطنية لتطويرها وبلورتها في خطاب موحد يُسقط القُطرية لحساب الهوية الوطنية والقومية لسكان البلاد الأصليين، وهو ما فتح كوة كبرى على مستقبل النضال الوطني للشعب الفلسطيني عام 48، مع استنباط وسائل استنهاض المجتمع الفلسطيني والتصدي لسياسات الطمس والإذابة والسعي لتكامل النضال مع مجموع الحركة الوطنية الفلسطينية، شكّل حزب التجمع الوطني الديمقراطي قوة ضاغطة ذات ثقل سياسي ومعنوي يضمن الحفاظ على الهوية و استمرار مقاومته من خلال بناء مؤسسات المجتمع المدني وتعميق الروح الوطنية والقومية وتكاملها، والتحفيز على القيام بدور لمواجهة الأسرلة والتهويد، الأمر الذي يشكل في مسيرة التجمع مصدرًا لانبعاث الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، التي وجدت في حملة الاعتقالات والاستهداف لحزب التجمع استهدافًا لمجمل العمل الوطني والسياسي لأصحاب الأرض.

انطلاقًا من فهم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لأهداف وثوابت حزب التجمع، تفتح نيران قوانينها ضده وتسعر حربها بصياغة التهم الجاهزة لقياداته وكوادره، من خلال تبني قوانين عنصرية وتهمًا أمنية وسياسية تارة، وأخرى بالتهديد بالتصفية لضرب اتصال حزب التجمع مع جذوره في الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية، صحيح أن الحالة العربية الرثة والوضع الفلسطيني البائس يطلقان العنان لليد الإسرائيلية باستهداف مجمل الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، لكن متى كان للحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني سند غير شعبها؟ الحالة العربية الرسمية جزء منها يعتبر التجمع عدوًا مشتركًا له مع الإسرائيلي من باب النكاية والفضيحة الأخلاقية الوطنية، التي سقط بامتحانها النظام الرسمي العربي في مرحلة الثورات، والجزء الآخر يتآمر من خلال إشاعة الصمت ومباركة السياسة الصهيونية ضد أصحاب الأرض.

من أراد أن يوفي غسان كنفاني بعهده وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق زياد ومحمود درويش وللقائمة الطويلة، من أراد أن يعطيها بعدًا عمليًا وفعليًا ونضاليًا يحفظ آمالهم ويعطي لتضحيات كل الشعب الفلسطيني عمقًا ماديًا دافعًا للنضال، آن الأوان لمغادرة كل الشعارات الاستعمالية عن الحركة الوطنية وحزب التجمع وأن يعلن بصوت عال رفضه القاطع لسياسات الاستهداف والتصفية والتهديد والابتزاز الصهيوني، لأن التجمع قال كلمته دون تأتأة "لن نهاب ولن نلين"، الحرية لعوض عبد الفتاح ومراد حداد وكل نشطاء وكوادر التجمع. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018