بداية مرحلة جديدة

بداية مرحلة جديدة

باسل غطاس

هذا أوان الشد فاشتدي زيم. ما تقوم به أذرع الشرطة والمخابرات بحق حزب التجمع الوطني الديموقراطي، وهو حزب سياسي شرعي وممثل في البرلمان هو جريمة بحد ذاتها، وعمل غير مسبوق، ولا يمكن أن يكون إلا بقرار سياسي في أعلى المستويات لكسر التجمع وسحقه وتشويه صورته بين الناس وضرب قواعده. 

إن تسخير مئات من أفراد الوحدات الخاصة في الشرطة ومصلحة السجون لاعتقال العشرات من رفاقنا والتحقيق مع المئات، بالإضافة إلى طريقة الاعتقال واستخدام أساليب الترويع والتهديد مع الناس، تكشف أن الموضوع ليس فعلا مخالفات مالية مهما كان حجمها، وتؤكّد أن النية الحقيقية المبيتة لدى أجهزة السلطة هي في السطر الأخير القضاء على التجمع ومشروعه السياسي المناقض والمناوئ للمشروع الصهيوني الاستعماري ومواجهة يهودية الدولة.

الموضوع إذًا ليس حملة اعتقالات هنا وهناك، أو مجرّد حملة تحقيقات عابرة، وإنما تصعيد خطير من قبل المؤسسة الصهيونية، وبعنوان واضح: سحق التجمع الوطني الديموقراطي والقضاء عليه، من خلال تجريمه قضائيا كحزب متّهم بتبييض الأموال والتزييف من ناحية، وإفقاده قواعده والتأييد الشعبي له من خلال الترهيب والترويع وتشويه السمعة والصورة من ناحية أخرى. إننا في مرحلة جديدة تماما، بدأت مع القرار بإخراج الحركة الإسلامية خارج القانون بأمر إداري مستند إلى أنظمة الطوارئ، وتتصاعد الآن مع هذه الهجمة المسعورة وغير المسبوقة على التجمع.

لدينا أدلة واضحة أن الشرطة وأجهزة المخابرات لم تنتظر تقرير مراقب الدولة حول الانتخابات، أو تركه ليقوم هو كما يقتضي القانون والعرف بالتوجه للمستشار القضائي في حالة عثر على بينات أو قرائن تشير لمخالفات جنائية، وإنما هي التي بادرت للحصول منه على المواد المتلعقّة فور أن وصلته في أواخر شهر شباط ٢٠١٦. بدأت بعدها الشرطة باستدعاء الناس للتحقيق في شهر آذار ونيسان ٢٠١٦. وتعاظمت لدينا الشكوك أن مندوبي مراقب الدولة الذين حضروا إلى مكاتب التجمع عدة مرات خلال إعداد البيانات المالية كان من بينهم ممثلون عن الشرطة أو أحد أذرع المخابرات. أثارني مثلا أن ممثل النيابة خلال تمديد اعتقالات الموقوفين في محكمة ريشون ليتسيون تلعثم عندما سأله محامو الدفاع حول إذا كان مراقب الدولة هو الذي توجه للشرطة فأجاب بالإيجاب أولا وبعدها تراجع. كل هذا يشكل دليلا واضحا أن القضية ليست تجاوزات مالية ظهرت خلال الفحص والتدقيق الروتيني الذي من المفروض أن يقوم به مكتب مراقب الدولة، وإنما قضية سياسية أخذ القرار بشأنها في أروقة القيادة السياسية وجهاز المخابرات، باعتبار الموضوع ذي طابع أمني وإستراتيجي، كما هو الحال في كل موضوع مهم يتعلق بالعرب الفلسطينيين في الداخل. 

الوجه الآخر لحملة التحقيق والاعتقالات وما سيستمر منها ربما لسنوات عديدة في أروقة المحاكم هو الجانب الإعلامي، والذي سيحاولون من خلاله تشويه صورة التجمع وسمعته بين الناس وإلصاق شوائب مالية به، من خلال نثر التهم التي لم تتضح بعد في المحاكم وإظهارها كأنها حقائق.  المهم بالنسبة لهم إطلاق الشائعة ولا حاجة لإثبات صحتها، فالضرر بين هذه أو تلك يكون قد حدث. في هجومهم الإعلامي المحموم سيحاولون الوصول الى نواب التجمع، لأن في هذا وقود ممتاز للإعلام العبري، وعلينا ألا نتفاجئ إذا ما تمت دعوة النواب للتحقيق. هم يعوّلون على ذاكرة الناس القصيرة وتساوق البعض مع خطابهم -وهم حتى الآن فعلا قلة قليلة في هامش المجتمع من الحاقدين وفاقدي القيم الأخلاقية والوطنية- لكي يكونوا شركاء في إنجاح الحملة الإعلامية الرسمية.   

إن مهمة المنازلة الإعلامية والمعركة على الرأي العام لا تقل أهمية وصعوبة عن مهمة المواجهة القانونية للملف الجنائي الذين يحاولون تفصيله ضد التجمع في هذه الأيام. ولهذا علينا أن نتعامل مع اتهامات الشرطة بجدية، وأن نفكك كل مقومات الملف الجنائي الذي تحاول تفصيله.

التهمة المركزية التي سيحاولون قصم ظهر التجمع بها هي تهمة تبييض الأموال بشكل منهجي، واستخدام التزييف في الوثائق من أجل تحقيق ذلك. وهذا ينطوي على مخالفة لقانون تمويل الأحزاب وسلسلة من المخالفات الأخرى. والحديث يجري عينيّا عن انتخابات الكنيست ٢٠١٣  وانتخابات البلديات في نفس العام ٢٠١٣. هذه هي القضية ليست ملايين كما جاء في بيان الشرطة وإنما حصريا وعينيا عن معركتين انتخابيتين عام ٢٠١٣. إن أي مثقف متوسط مطلع على الشأن العام أو ناشط سياسي أو اجتماعي يدرك فورا تفاهة الموضوع وصغر حجمه قياسا بمتطلبات الحملات الانتخابية، والتجاوزات المالية الهائلة التي تقوم بها الأحزاب الكبرى، والتي تنتهي بفرض غرامة مالية من قبل مراقب الدولة. كما أنه وفي موضوع تبييض الأموال في القضاء المدني هناك قضايا تصل إلى مئات الملايين من الشواقل تنتهي في الكثير من الأحيان من دون اعتقال أحد وبتسويات مع سلطات الضريبة خارج المحكمة. لقد كتب مراقب الدولة تقريرا خاصا ووضع لوائح وتنظيمات خاصة لمنع الالتفاف على قانون تمويل الأحزاب من خلال تحويل مئات الملايين من الشواقل أو الدولارات عبر الجمعيات أو حتى شركات لتمويل الأحزاب الصهيونية، وهذا يجري بالرغم من كل الرقابة والتدقيق حتى اليوم.

لقد قام التجمع بتسجيل كل مبلغ كان قد حصل عليه، موثّقًا مصدره ومثبتا في أوراقه وفي قيود البنك. يتضح لنا الآن أنه لو لم نفعل ذلك ولو تركنا كل هذا المبلغ في البيانات المالية للحملات الانتخابية لعام ٢٠١٣ مجهولة المصادر أو من دون تسجيل تفصيلي لها لما تعرضنا لهذه الهجمة البوليسية التنكيلية، ولربما تعرضنا لما تعرض له حزب الليكود عام ٢٠٠٣، حيث وجد مراقب الدولة في بيانات الليكود لانتخابات البلديات في ثلاثة مدن (هي القدس وحيفا وأور عكيفا)  مبلغا يقارب المليوني شيكل مجهولة المصدر تماما، وقد فرض مراقب الدولة عليه غرامة زهيدة بمبلغ ١٢٩ ألف شيكل. صحيح أنه منذ ذلك العام ارتفع حجم الغرامات التي يفرضها مراقب الدولة، فمثلا فرضت لاحقًا غرامات عالية على الكثير من الأحزاب على مخالفات مالية خطيرة ارتكبتها الأحزاب في الانتخابات البلدية عام ٢٠٠٣ حيث غرم الليكود بدفع أكثر من ٩٠٠ ألف شيكل، وغرم حزب العمل بأكثر من ٨٠٠ ألف شيكل.

في هذه الانتخابات كان التجمع من بين عدد قليل من الأحزاب التي لم تغرم بتاتا، ونالت بياناتها المالية قبولا كاملا من قبل مراقب الدولة. بمعنى آخر، لو 'أهمل' التجمع بيناته المالية ولم يسجل مصادر مدخولاته ولم يسع للشفافية لكان يتعرض الآن فقط لمسائلة إدارية ستنتهي بغرامة مالية عالية جدا، ولكان الأمر قد انتهى عند هذا الحد. 

طبعا ليس لدينا أي شك أن السلطة كانت ستجد أبواب وطرق أخرى لملاحقة التجمع سياسيا بغلاف جنائي ولكن كل ما تقدم يثبت بما لا يقبل الشك:

أولا: المخالفات المالية التي تدعيها الشرطة نفسها تتعلق بمبلغ محصور وصغير نسبيا لمعركتي انتخابات عام ٢٠١٣. وعند سائر الأحزاب تبدأ وتنتهي معالجة هكذا قضايا في مكتب مراقب الدولة بفرض غرامات مالية عالية.

ثانيا: المخالفات المزعومة تتعلق بمصادر الدخل وطريقة تسجيلها في القيود وإدارة الحسابات، وكلها دخلت لحساب البنك واستعملت بتغطية نشاطات الحزب خلال معركتي انتخابات عام ٢٠١٣، ولا يوجد هناك أي مزاعم بإساءة الاستعمال للتبرعات من قبل الحزب أو الأفراد.

ثالثا: انتقال الملاحقة والتحقيق بهكذا مبلغ من مكتب مراقب الدولة لأروقة المخابرات ووحدات النخبة في الشرطة والتحقيق مع مئات المتبرعين واعتقال العشرات من القيادات والكوادر، في شبه عملية عسكرية، حتى قبل أن يتم مراقب الدولة عملية الفحص والتدقيق، هي دليل واضح على أن المقصود هو عملية اغتيال سياسي لحزب التجمع الوطني الديموقراطي وتجريمه، كمقدمة لإقصائه من الحلبة السياسية تماما.  

من الصعب حاليا أن نقيم نتائج التحقيق والاعتقالات الهمجيّة والمستمرّة، فالشرطة تقدم للمحاكم تقاريرا سرية لا يراها سوى القاضي. وبناء عليه، لا نستطيع تقدير مألات الملف وتفصيلاته، وفيما إذا كانت الشرطة ستنجح في بلورة لوائح اتهام وتقديمها ضد عدد كبير أو صغير من الرفاق. ولكننا نعلم أنهم لا يبغون محاسبة وملاحقة الأفراد -خاصة القياديين منهم- إلا في سبيل النيل من التجمع كحزب وكتنظيم سياسي قانوني ورسمي. لقد فشلوا في ضرب سمعة وموقع وتأثير التجمع حتى الآن، ومنذ بدء الحملة ازداد الالتفاف الشعبي والرسمي حول التجمع، ومهما كانت نتائج التحقيق والمحاكمات إذا ما تم تقديم لوائح الاتهام، سيفشلون فشلا ذريعا في النيل من مشروع التجمع، وهو مشروع شعبنا كله في تحدي المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، ونظام الفصل العنصري، الذي تفرضه الصهيونية في فلسطين، أو في تدجين خطابه والحد من تأثيره على بناء وتجذير الرواية التاريخية لسكان الأصليين، والذاكرة الجماعية للأجيال الشابة، والمشاركة في إعادة صياغة المشروع السياسي الفلسطيني.    

إقرأ/ي أيضًا |

معركة على وجه العمل السياسي/ رامي منصور

 عن ملايين الشرطة الإسرائيلية في ملاحقة التجمع

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة