اغتيال حتر: "تماسيح" سطحية

اغتيال حتر: "تماسيح" سطحية

رامي منصور

أصبح التضامن في زمننا الافتراضي مع جريمة قتل بشعة موضة وليس قيمة، أو لنقل 'تريند' بلغة وسائل التواصل الاجتماعي. كان أمس 'تريند' التضامن مع الكاتب الأردني ناهض حتر، الذي قتل بسبع رصاصات أطلقها إسلامي سلفي. ومثل كل 'تريند'، سينتهي مفعوله خلال 24 ساعة. وكما قال كاتب فرنسي، فإن 'الموضة لو كانت جيدة لما تبدلت'.

كثير من المتضامنين والمستنكرين، بحق، لجريمة اغتيال حتر لا يعرفون مواقف الرجل السياسية، وبأنه كان معاديًا لحقوق المواطنين من أصول فلسطينية في الأردن، وبأنه نموذج 'اليساري الفاشي' الذي لا يتردد في دعم ماكينة القتل الأسدية، ليس بسبب مواقفه 'العروبية'، بل لدوافع تحقيرية لا ترى للشعوب العربية قيمة بذاتها.

كل هذه المواقف لا تبرر قتل أو اغتيال كاتب، وهي مواقف لا تتجاوز حقيقة كونها أفكارًا، وإدانة الجريمة ورفض الفكر التكفيري، الذي برر الجريمة هو أمر يجب أن يكون مفروغًا منه. واستحضار المواقف في هذا المقام ليس لتقليل من قيمة الضحية وهول الجريمة، بل لتعريف بعض المتضامنين بالمتضامن معه.

ما كشفته الجريمة النكراء والتضامن والإدانة الافتراضيان هو خطير قيميًا، وإن ليس بدرجة خطورة اغتيال كاتب بسبب مواقفه السياسية ونشره كاريكاتيرًا سطحيًا 'يسيء للذات الإلهية'. فإذا كان التكفير هو دافع القتل، فإن السطحية والشعبوية هي عملية موت بطيء متواصلة لحيزنا العام والأرضية القيمية، التي من المفترض أن نقف عليها، وهو للأسف ما انجر إليها حتر في السنوات الأخيرة، إذ أطلق مواقف سطحية شعبوية نمطية ولا أخلاقية تجاه شعب يواجه حرب إبادة يومية وهو الشعب السوري.

وفي الجهة المقابلة، يسارع إسلاميون تكفيريون إلى إصدار أحكام تجاه أشخاص وكتاب استنادًا إلى تقولات غير دقيقة وإلى معرفة سطحية بما كتب وبالدين، ولكن ذلك لم يجعلهم يترددون في إصدار الأحكام والفتاوى عن جهل.

'دفع ثمن مواقفه' كانت التعبير الملاصق لاغتيال أي كاتب أو مثقف مناضل لم يتردد في التعبير عن مواقفه ولم يتراجع عنها. لكن هذه المرة لم نسمع أي تعبير كذلك، ليس لأن القتيل لم يدفع ثمن مواقفه، بل لأن معظم المتضامنين الافتراضيين لا يعرفون مواقفه، ويتعاملون مع الجريمة على أنها معركة بين ثنائية أبيض – أسود. فإن التضامن هو مع كاتب 'يساري' و'مسيحي' في مواجهة إسلاميين تكفيريين.

يبدو التضامن في هذه الحالة 'مغريًا ومثيرًا'، فيما اغتيل في الأعوام الخمسة الأخيرة عشرات الصحافيين والكتاب في سورية ومصر، لكنهم لم يحظوا بـ'شرف' تضامن تماسيح وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكن موتهم أو قناعاتهم على درجة كافية من 'الإثارة والإغراء'. لم يكونوا علمانيين أو يساريين (حتى لو يساريين فاشيين). هذه هي السطحية في التضامن، سطحية التضامن مع صحيفة 'شارلي إيبدو' الفرنسية.

تضامن سطحي لا يحمل بعدًا قيميا وأخلاقيًا ولا قناعة عن حق الكاتب، أي كاتب، بالتعبير عن مواقفه طالما لم تدخل مستنقعات العنصرية والذكورية مثلا. بل من المتضامين من يهتفون يوميًا –افتراضيًا، أيضًا – للمزيد من القتل في سورية ومزيد من البطش في مصر. هؤلاء ليسوا مبدئيين في إدانة الاغتيالات السياسية، بل هي شرعية بالنسبة لهم إن كانت وجهتها إلى غريم سياسي، ولها تبريرات تحمل دوافع عقائدية من زمن غابر.

عادة ما نطلق 'دموع التماسيح' على من ينافقون في حزنهم على الضحية، لكن لا بأس في أن نطلق على من يتضامنون مع ضحية يجهلونها، ويتجاهلون ضحية أخرى بأنهم 'تماسيح سطحية'. هم لا يتضامنون بدافع قيمي حقيقي وراسخ وإنما بدافع 'الموضة' و'التريند'.  

لا غرابة بأن تصدر حركات وأحزاب عربية من مختلف الطيف السياسي بيانات إدانة واستنكار لجريمة اغتيال حتر، فله في السابق مواقف كثيرة ضد الصهيونية وإسرائيل، لكن مواقفه الأخيرة، وخصوصًا دعمه لماكينة القتل الأسدية طغت على تاريخ الرجل المناهض للصهيونية، فقد اعتبر هجرة ملايين السوريين لوطنهم بأقل من نزف ديمغرافي!

تلك التماسيح السطحية لم تتضامن في الأيام الأخيرة مع حلب مثلًا، لأن موضة التضامن مع المدينة استنفذت، وحتى التضامن مع ضحية جريمة القتل في اللد دعاء أبو شرخ لم يكن واسعًا كما في السابق، ليس لأن جريمة اغتيال حتر طغت، وإنما لأن رفض قتل النساء لم يعد موضة على ما يبدو.

رفض جريمة الاغتيال، ههنا، هو بدافع قيمي وأخلاقي، وهو أن الاغتيال سواءً كان سياسيًا أو على خلفية أخرى، بفعل رصاص شخص أو مدفعية حكومة، هو أمر مرفوض بالمطلق ولا يبرره شيء، سوى عقل مريض أو نظام مستبد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018