"ألقوا أسلحتكم... فالحرب ضد إسرائيل انتهت"

"ألقوا أسلحتكم... فالحرب ضد إسرائيل انتهت"

سليمان أبو إرشيد

هيرو أونودا، ضابط استطلاع في الجيش الياباني، قاتل في الحرب العالمية الثانية ورفض الاستسلام حتى عام 1974، وبقي متسترا في أدغال الفلبين طيلة 30 عامًا ورفض تصديق أن الحرب العالمية انتهت في عام ،1945 وأن جيش بلاده خسرها، فتوجه إلى الأدغال برفقة 3 من زملائه وخاض حرب عصابات قَتل خلالها 30 شخصًا اشتبه بأنهم أعداء لليابان.

وعاد أحد الجنود الثلاثة في العام 1950 إلى وطنه وأخبر قيادة الجيش بأن جنديين اثنين يابانيين آخرين لا يزالان مختبئين بأدغال الفلبين. وفي أعقاب ذلك، قامت طائرات يابانية بإلقاء منشورات في جزيرة لوبانغ الفلبينية تخبرهما فيها أن الحرب انتهت وأن الجيش الياباني هزم منذ زمن، غير أن أونودا ورفيقه لم يصدقا ذلك وظلا في موقعهما 'القتالي'.

 وفي العام 1959 أوقفت اليابان والفلبين عمليات البحث عنهما ظنا أنهما توفيا، إلى أن قتل في العام 1972 رفيق أونودا، فأرسلت اليابان أفراداً من عائلته لإقناعه بالعودة إلا أنه لم يقتنع بانتهاء الحرب إلا عندما أرسلت طوكيو قائده العسكري السابق الذي عاد به إلى اليابان في العام 1974. 

أونودا الذي توفي عام 2014 في اليابان وجد نفسه هذا الأسبوع مثالا ساقه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، للتدليل على عناد الأمم المتحدة وإصرارها على مواصلة 'حربها ضد إسرائيل'، رغم انتهاء الحرب ضدها على الأرض.

نتنياهو ظهر في الأمم المتحدة مزهوًا بـ'فتوحات' إسرائيل في آسيا وأفريقيا، بعد أن اقتحم سور الصين العظيم وأكمل دورته حول رأس الرجاء الصالح وصولا إلى الهند، قبل أن يبحر به 'الجندول' من أعالي منابع النهر العظيم في أوغندا، مرورا بكينيا ورواندا وانتهاء بالحبشة التي تشهد علاقاتها توترا مع مصر بسبب الخلاف على تقاسم مياه النيل وإقامة سد النهضة.

ولم ينس نتنياهو التباهي أيضًا بإذابة الجليد الروسي وتسخين علاقات إسرائيل مع الكرملين، منوهًا  إلى مضاعفة عدد الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، من 80 دولة غداة إشغاله منصب سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، في ثمانينيات القرن الماضي، إلى 160 دولة.

ورغم أن  نتنياهو قد استضاف قبل إلقاء خطابه قمة حضرها أكثر من 17 قائدًا من الدول الأفريقية، إلا أن ذروة خطابه كانت عندما تحدث عن العالم العربي وأثر معاهدات السلام مع الأردن ومصر على الاستقرار في شرق أوسط غير مستقر، على حد تعبيره، إذ قال أريد أن أقول لكم شيئا ولأول مرة في حياتي، هناك دولا كثيرة أخرى في المنطقة لا ترى في إسرائيل عدوًا وتدرك أن إسرائيل هي حليف، وأن لنا ولهم عدوا مشتركا هو إيران وداعش، كما قال، وسنعمل خلال السنوات المقبلة سويا وبشكل علني ومنفتح حتى نحقق هذه الأهداف، معتبرا أن علاقات إسرائيل  الدبلوماسية تمر بثورة، وليس أقل من ثورة.

هنا وجد نتنياهو أن من حقه مخاطبة الحضور قائلا: سيداتي سادتي ممثلي كافة الدول، بودي أن أنقل عبركم رسالة واحدة تقول 'ألقوا أسلحتكم، لقد انتهت الحرب ضد إسرائيل في الأمم المتحدة'، واستدرك قائلا إنه، ربما بعضكم لا يعرف ذلك حتى الآن لكنني على ثقة أنكم ستحصلون قريبا على هذه الرسالة من قادتكم ورؤساء حكوماتكم الذين سيقولون لكم لقد انتهت الحرب ضد إسرائيل في الأمم المتحدة

قد تكون هي البيروقراطية وقد تكون الفترة الضرورية الفاصلة بين انتهاء الحرب على الأرض وبين انتهاء 'الخطاب الحربي'، ولكن ما أراد نتنياهو إيصاله من خلال مثال هيرو أوندوا، ومن خلال الإشارة الى التحول في نظرة وتحالفات دول عربية، هو أن العرب قد ألقوا أسلحتهم أو وجهوها إلى وجهة أخرى غير إسرائيل وهو ما تعرفه حكومات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي فتحت عمليا أبوابها لإسرائيل، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتطابق الموقف العملي مع الموقف الرسمي.

لقد صدق نتنياهو هذه المرة، أو بلسان  الكاتب اليساري غدعون ليفي، إلى الجحيم أنه صادق. نتنياهو صادق عندما يقول إن العالم في جيب إسرائيل وصادق في حضوره المتعالي الواثق والمتفائل وهو يتنبأ لإسرائيل مستقبلا واعدا في الأمم المتحدة.

نتنياهو صادق وتلك هي الكارثة، كما يقول ليفي، لقد خاب أمل كل من آمن بالعالم، كل من آمن بباراك أوباما، خاب أمل كل من آمن بإمكانية تأثير الرأي العام على الحكومات، وخاب أمل كل من آمن أنه في القرن 21 لن يبقى استعمار كولونيالي وأن احتلالا همجيا لا يمكنه الصمود لوقت طويل.

سقطت كل نبوءات الغضب التي كانت مصدرا لتفاؤل الذين آمنوا بنهاية الاحتلال الإسرائيلي. لقد وعدونا بضغط دولي وعقوبات، بعزلة دولية ووقف للمساعدات الأميركية، بمقاطعة وإقصاء، وعوضا عن ذلك، يقول ليفي، حصلنا على احتلال لم يكن في يوم من الأيام أكثر استقرارا، وإسرائيل لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي عليه اليوم. بالمقابل، فإن الفلسطينيين معزولين منقسمين ومنسيين، أكثر من أي وقت مضى والعرب ينزفون والمسلمين مكروهين والمهاجرين مخيفين والاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد من هذا الوضع، يقول ليفي، وهو يتوجه للمجتمع الاسرائيلي طبعًا، ولكن خيباتنا نحن العرب والفلسطينيين أكبر بكثير ونحن نرى التهافت العربي والانقسام الفلسطيني. والحال كذلك، من حق نتنياهو التبجح بغطرسة ألقوا أسلحتكم... الحرب ضد إسرائيل انتهت.