فلسطينيو الداخل والخروج من التهميش المزدوج

فلسطينيو الداخل والخروج من التهميش المزدوج

سليمان أبو إرشيد

قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الانضمام إلى وزير أمنه أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن الحرب على نواب القائمة المشتركة ومقاطعة خطاباتهم ونقاشاتهم في الكنيست، أثبت أن نتنياهو لا يريد أن يتنازل عن الدور الريادي في كل ما يتعلق بالتحشيد والتحريض ضد فلسطينيي الداخل كعدو احتياطي، بعد انهيار جبهات الأعداء الأخرى الواحدة تلو الأخرى.

نتنياهو هو الذي أشار إلينا بالبنان يوم الانتخابات البرلمانية الأخيرة وحذر من نتائج 'هرولتنا' إلى صناديق الاقتراع، وهو الذي نصب منصة الخطابة على أثار عملية نشأت ملحم في تل أبيب ليوجه لنا تهمة قتل الإسرائيليين وبأننا نقيم دولة داخل دولة، وفي الحالتين أراد تأليب الرأي العام الإسرائيلي ضد العرب ونزع الشرعية السياسية عنهم، وها هو يستغل مقاطعة نواب القائمة المشتركة لجنازة بيرس لتصدر دعوة المقاطعة، التي بادر ‘ليها ليبرمان، وهو الذي كان سيقاطعهم لو شاركوا بيرس أي شيء عدا جنازته.

بلا شك، فإن المشاركة العربية والفلسطينية المذلة والمستهجنة حولت مقاطعة جنازة أحد قباطنة المشروع الكولونيالي الصهيوني، وأحد الآباء المؤسسين لدولة إسرائيل على أنقاض نكبة شعبنا، من فعل طبيعي إلى استثناء بعد أن كسر محمود عباس وسامح شكري القاعدة الفلسطينية والعربية في التعاطي مع هكذا حدث.

غياب النواب العرب عن جنازة بيرس هي بقطع النظر عن الفلسفات والتبريرات السياسية تصرف عفوي وتلقائي يترجم عدم انتمائنا لـ'القبيلة وموقدته' (البرنامج التلفزيوني الذي استدعي إليه أيمن عودة)، والتي يسعون بكل قوة إلى إخراجنا من نطاقها. لنا طقوسنا ورموزنا وأعلامنا، ولهم رموزهم التي من حقهم سبها أو السجود لها مثلما فعلوا مع بيرس وغيره.

هم يدركون أننا قلب القضية وجذرها الحي الضارب في بطن هذه الأرض، وأنهم وهم يدمرون حل الدولتين بأياديهم يعودون بنا معًا إلى نقطة البداية، ونحن البداية التي حاولوا القفز عنها، حيث اتقق في الصفقة التي أبرمت بين إسرائيل وبين قيادة م.ت.ف في أوسلو، على تهميش فلسطينيي الداخل، وإخراجهم من دائرة الحل بعد أن جرى اختزال القضية في حدود 1967. ومنذ أوسلو وخلالها أناطت 'القيادة الفلسطينية' بممثلي الداخل الفلسطيني دور إسرائيلي داخلي يتمثل بحماية عملية أوسلو، عبر دعم 'معسكر السلام الإسرائيلي' وإيصاله إلى السلطة وتثبيته فيها. بالمقابل، سعى ما يسمى بـ'معسكر السلام الإسرائيلي' إلى الاستفادة من أصوات الفلسطينيين في الداخل ودعمهم البرلماني دون 'التورط' بـتهمة 'حب العرب'، بلسان هرتسوغ، والتي قد تتسبب بخسارتهم لأصوات في الشارع الإسرائيلي.

نجح فلسطينيو الداخل في لعب هذا الدور الوظيفي بتشكيلهم ما عرف بالجسم المانع الذي اعتمدت عليه حكومة رابين، وواصلوا ذلك بالتصويت لخليفته بيرس في انتخابات 1996 بالرغم من قيامه بشن عدوان 'عناقيد الغضب على لبنان وارتكابه لمجزرة قانا، ومن ثم لإيهود براك في انتخابات 1999 قبل ارتكابه جريمة قتل 13 شهيدا في الداخل الفلسطيني ومئات في الضفة والقطاع.

ولعبت قيادة م ت ف سابقًا، والسلطة الفلسطينية لاحقا، دورا بارزا في ترتيب أوراق ساحة الداخل، عشية كل معركة انتخابية، بما يخدم الهدف والدور المرسوم لها، ولم تدخر بذلك أي جهد سياسي أو مادي، وكلنا يذكر محاولات توحيد قائمتي دراوشة والحركة التقدمية عام 1992 والتي بلغت خلالها التدخلات ذروة غير مسبوقة وحسمت لصالح حزب دراوشة. كما نذكر الضغوطات التي مورست عام 1996 لغرض التصويت لصالح بيرس، والتي أسفرت عن حصوله على 95 في المئة من أصوات العرب، رغم مجزرة قانا، وكذلك الضغوطات التي مورست على عزمي بشارة لسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة، كي لا يحجب أصوات العرب عن براك في انتخابات العام 1999.

أبو مازن عبر عن ذلك بصريح العبارة عندما قال لوفد فلسطينيي الداخل (لجنة المتابعة) الذي زاره في المقاطعة، 'أنتم جسرا للسلام بين الشعبين'، وخاطبهم بعبارة 'إخواننا الفلسطينيين في إسرائيل'، كما أن استبدال لجنة التواصل مع فلسطينيي الداخل التي كان يرأسها المرحوم فوزي النمر، بـ'لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي' التي يرأسها محمد المدني، وإدراج فلسطينيي الداخل ضمن نشاطها، هو خير دليل على أن السلطة تموقعهم ضمن الساحة الإسرائيلية.

إذًا هو تهميش مزدوج، فنحن على هامش المجتمع والسياسة الإسرائيلية، التي تسعى إلى المزيد من تهميشنا عبر من نزع الشرعية عنا وتجريم عملنا السياسي، وعلى هامش السياسة الفلسطينية التي لا تريدنا جزءًا فاعلا في المركب الفلسطيني، بل تدفع بنا إلى الهامش الإسرائيلي وتريدنا في أحسن الحالات مثل يهود أميركا، وتقول لنا صراحةً 'ناضلوا من أجل المساواة في إسرائيل، ومن أجل السلام بيننا وبين إسرائيل'.

ولكن من السذاجة الاعتقاد أن مجرد الموقف بمقاطعة جنازة بيرس، وإن اعتبر ذلك حالة تمرد، يخرجنا من حالة التهميش المزدوج الذي يراد لنا البقاء فيه.

اقرأ/ي أيضًا لـ سليمان أبو إرشيد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018