عالم بدون إسلام!

عالم بدون إسلام!

عوض عبد الفتاح

كيف كان العالم سيبدو لو لم يظهر الإسلام، هل سيكون أفضل، أقل عنفاً، أقل صراعاً على النفوذ، الأرض، السياسة، الدين؟

'عالم بدون إسلام'  (A World Without Islam) عنوان كتاب، لباحث أميركي، عمل لعشرات السنين في وكالة المخابرات الأميركية، في الشرق الأوسط. هو چراهم فولر Graham E.Fuller.  وهذه الأسئلة أعلاه يطرحها الكاتب في مستهل الكتاب ويعالجها في 350 صفحة من الحجم الصغير، الصادر عام 2012.

لأول وهلة، يظن المرء أنه كتاب غربي تقليدي يهاجم فيه الإسلام والمسلمين ÷وهو ظنٌ ساور لأول وهلة العديد من الصحافيين والمعلقين الذين أجروا مراجعة للكتاب.

يجيب فولر على هذه الأسئلة بعد إبحاره في التاريخ منذ ظهور المسيحية ومولد الإسلام، بل منذ ظهور الإمبراطوريات القديمة وحتى اليوم بالقول: لا. لم يكن العالم ليبدو أفضل. وهو يفند الكثير من الادعاءات ضد الإسلام ويستحضر تصرفات القوى الإمبراطورية القديمة ضد شعوب الشرق وغيرها.
 ويعترف إن الصراع المستمر حتى اليوم يعود إلى مطامع جغرافية سياسية بين الشرق والغرب، ويعود إلى ما قبل الإسلام، وإلى ما قبل المسيحية. ويضيف أن جملة عوامل أخرى أثرت بصورة كبيرة على العلاقة بين الشرق والغرب: مصالح اقتصادية، مصالح إستراتيجية، صراع على السلطة بين الإمبراطوريات القديمة (الرومانية، اليونانية، الفارسية وغيرها)، صراعات إثنية، صراعات قومية، حتى صراعات شديدة داخل المسيحية نفسها. (هو يتطرق أيضاً إلى الصراعات الدموية بين المذاهب المختلفة داخل المسيحية وداخل الإسلام).

كما يستخلص من بحثه أن القضية الفلسطينية ليست جذورها بالإسلام بل في ملاحقة وذبح اليهود الأوروبيين على يد الغرب.

 وباختصار يُعيد ضابط المخابرات السابق الحروب إلى الرغبة في السيطرة والنفوذ، وأنه حتى بدون الإسلام، فإن الشعوب الأخرى ستقاوم الغزو والسيطرة. ويُشير إلى أميركا اللاتينية، وإلى الصين التي قاومت شعوبها السيطرة (الأوروبية والأميركية) الغربية. بل يشير إلى معاداة الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية للغرب الكاثوليكي منذ قرون.

ماذا بعد انتهاء الحرب على 'داعش' (الإرهاب)

وإذا ما استوحينا من عنوان كتاب فولر سؤالا عن الوضع الراهن نتساءل 'ماذا بعد داعش'، هل سيكون العالم أفضل؟

 يطرح هذا السؤال لأن ما يسمى التحالف ضد الإرهاب يعتبر الإرهاب الإسلامي مصدر الشر الرئيسي، ويخلط بعض أطراف هذا التحالف بين الإسلام كحضارة وكدين وكمنظومة أخلاقية، مع 'داعش' المتوحش الغريب عن هذا الدين. ويستذكر الكاتب أن الغرب الاستعماري قد جعل من القومية العربية ومن اليسار عدواً له، خاصة في الخمسينات والستينات (عبد الناصر مثلاً) وكذلك الشيوعية.
في الواقع الراهن للشرق الأوسط والمنطقة العربية تتصدر محاربة الإرهاب العناوين والأجندات في الحروب الدائرة. ويحصر المتقاتلون الدوليون والإقليميون على النفوذ والمصالح والموارد مشكلة الإرهاب في الحركات الإسلامية فقط، وهذه الحركات فعلا تشمل حركات جهادية فاشية دموية.

ولكن هذه الحركات الدينية الفاشية جديدة يفترض أن يتم هزيمتها عسكرياً في الحرب الدائرة حالياً. ولكن كيف يمكن تجفيف منابعها الأيديولوجية الاجتماعية التي أنبتتها. ومثلما لا يمكن نسب هذه الحروب إلى الإسلام، فإنه أيضاً لا يمكن تفسير الحروب الاستعمارية الغربية على الشعوب في الشرق بالعلاقة مع المسيحية. فليس للمسيح وتعاليمه الإنسانية (العدل والمساواة) علاقة بالحروب التي سنتها ويسنها الغرب منذ قرون، وهو أي المسيح (ابن فلسطين) الذي قاوم الإمبراطورية الرومانية وفساد اليهودية في فلسطين (بلاد الشام). لا شك أن الأديان كانت ولا تزال حاضرة في العديد من الصراعات، ولكن خلفية الصراعات هي سياسية واقتصادية.

ما هي هذه المنابع في عصرنا الحديث؟ إنها إرهاب الدول المتزاوج مع الاستبداد المحلي؛ إرهاب الدول الإمبريالية وفي مقدمتها الإمبريالية الأميركية الدموية صاحبة عقيدة الصدمة والترويع الفظيعة، والتي ساندت وتساند معظم الأنظمة المستبدة والرجعية في العالم بما فيها العالم العربي، والتي كانت آخر جرائمها غزو العراق وتدميره. أما الإمبرياليه الروسية المتوحشة فهي تطبق نموذج الشيشان الدموي(نموذج التدمير الشامل للمدن) على مدينة حلب العربية السورية مكملة طريق النظام الدموي في سبيل انتزاع موقع إستراتيجي لها على المتوسط، ولتجريب أشد أسلحتها فتكاً لغرض جذب الزبائن. وروسيا مدفوعة بالطموح نحو العودة إلى مكانة القوة الكبرى، لمواجهة الغرب الذي لم يتوقف عن حصارها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكن بدون المثل والرؤية  الاشتراكية التي كان يحملها الاتحاد السوفيتي (ولو رسمياً).

طبعاً لا يوجد اليوم في العالم دولة كبرى تحمل مشروعاً تحررياً للإنسان وللإنسانية وهي علامة من علامات الأزمة الأخلاقية الطاحنة للنظام العالمي. ونتيجة لغياب الأخلاق، تدفع الشعوب العربية والشعب الفلسطيني أثمان باهظة، وبطبيعة الحال، شعوب الجنوب عامة.

الاستبداد والتبعية دفيئة التطرف والفاشية ومحفزة للثورات

ليست الأنظمة العربية والنخب الحاكمة بريئة من مسؤولية نشوء الحركات الجهادية الفاشية كـ'داعش' وغيرها. بل إن استبدادها وتوحشها ضد مواطنيها وأحزابهم السياسية وفشلها في تحقيق التنمية والعدالة لمواطنيها وفي تحصين مجتمعاتها هو التربة التي نمت فيها هذه الحركات وتوحشت، فباتت وجهاً آخر لأنظمة العار والقتل والتدمير والمفرّطة بسيادتها، وهي مسؤولة عن تحويل أوطانها لساحات صراع دموي بين القوى الخارجية.

قبل خمس سنوات ثارت شعوبنا العربية وفجّرت غضبها المتراكم من أجل الحرية والعيش الكريم. وثارت من أجل تحقيق السيادة الكاملة لدولها والتخلص من التبعية. كان المشهد في الميادين والشوارع مذهلاً، وحاملاً وعوداً وأحلاماً كبيرة. وكان شعبنا الفلسطيني الذي يخضع لأبشع أنواع الاستعمار على موعد بزخم جديد لقضيته. وهذه الشعوب تسأل اليوم كيف تم اختزال أهداف ثوراتها وبطولاتها وتضحيتها المتمثلة في الحرية والعيش الكريم في هدف محاربة الإرهاب؟ في عقل وممارسة هذه التحالف ليس إرهاب الأنظمة محسوباً، ولا إرهاب الدولة الصهيونية الاستعمارية محسوباً أيضاً ولا إرهاب الدول الكبرى أيضاً.

لقد كانت آمال الشعوب والحركات الديمقراطية وحركات التحرر الوطني قد خابت بعد انتهاء الحرب الباردة، إذ بدل الانفراج تصاعدت المصائب الإنسانية جراء استمرار الجموح الإمبريالي الأميركي، ومواصلة اعتماد الرأسمالية المتوحشة، ودعم الدكتاتوريات، ومحاولة فرض نفسها كقوة مهيمنة وحيدة على العالم. عبر شن حروب تدميرية مثل أفغانستان والعراق.

ومؤخراً تتعرض الثورات اليسارية اللاتينية (أميركا الجنوبية) التي توالت منذ عقد ونصف، للتحريض ولمحاولات تخريب على يد القوى الخارجية من الخارج، مستغلة إخفاقات داخلية وأخطاء ارتكبتها قيادات هذه الثورات. وبات العالم بلا قوى كبرى تحمل فكرة المساواة والعدل والتحرر من الرأسمالية المتوحشة، ومن الحروب، فباتت حركات التحرر الديمقراطي محاصرة. فحتى الصين 'الشيوعية' الصاعدة اقتصادياً، ما عاد لديها المثل الاشتراكية، وهي وروسيا بوتين في تعاون عسكري وثيق مع الكيان الصهيوني.

ماذا بعد؟ هل ما زال هناك من أقطاب التحالف الذي يخوض حالياً حرباً ضد الإرهاب يفكر أو يفطن بمطالب الشعوب العربية التي خرج بها حاملاً روحه على كفه؟ وسؤال أطرحه يشبه سؤال ضابط المخابرات الأميركي الذي استيقظ متأخراً على وحشية دولته: 'هل عندما تنتهي المعركة ضد الإرهاب سيكون الشرق الأوسط والعالم أفضل؟'، بالطبع لا، لأن القوى المتحالفة ضد الإرهاب هي قوى متناقضة في الخلفيات والتوجهات السياسية والقومية، لا أحد من بينها يحمل مشروعاً تحررياً تنموياً وديمقراطياً يلبي حاجة الشعوب، بل يدور في ذهنها وفي كواليسها كيفية حصولها على أكبر حصة من الكعكة بعد وقف الحرب.

وبطبيعة الحال سيتعين على قوى التحرر الشعبية إجادة المناورة والإفادة من هذه التناقضات الدولية.

في ظل هذا الاستقطاب المميت بين الأنظمة وداعش، وبين المحاور، الدولية والإقليمية، لا تسيل فيه دماء غزيرة وتدمر مدناً ومجتمعات وتشرد الملايين فحسب، وهو الأقسى والأفظع، بل أيضاً يؤدي هذا الاستقطاب إلى تجميد الفكرة، الفكرة الأصلية، التي تحرك الإنسان في ثورته: الحرية والكرامة والمواطنة والدولة المدنية الديمقراطية. والمؤلم أن هذا الاستقطاب شوّه فكر وثقافة أوساط واسعة من النخب والمواطنين.

إن مؤيدي وجمهور الأنظمة المستبدة والمتوحشة منغمسون في متابعة تحليل سير معركة الأنظمة ضد شعوبها وضد الحركات الجهادية الفاشية التي ظهرت لاحقا، وقد أضحى هذا الخلط من متطلبات المعركة القذرة. كما أن مؤيدي الحركات الدينية المتطرفة وتلك التي لا تملك رؤية مدنية منغمسون في الفكر الجهادي وغارقون في الصراع على السلطة وليس من أجل الثورة. اما من حوصر بين القطبين، ونقصد الأوساط الشعبية المفقرة وشرائح الطبقة الوسطى الطامحة لمجتمع حرّ وفي مقدمته الشباب المناضل، يصر على حمل الفكرة الأصلية للثورات الذي خسر الكثير من فاعليته وتأثيره ينتظر وقف شلال الدم وطوفان التدمير ليستأنف المسيرة التي أرادها الناس في البداية باندفاع وبحكمة أكبر! ثورة شعبية مدنية وسلمية.

 في غياب قوى كبرى، أو دول تحمل مشاريع تحررية، وطنية وديمقراطية، تبقى هذه المهمة المقدسة للشعوب ولقواها السياسية والاجتماعية وأطرها المدنية العاقلة التي لم تفقد البوصلة والأخلاقية والرؤية النهضوية، والتي لا تزال تختزن الحلم، والإرادة.

أما بالنسبة للشعب الفلسطيني ونخبه السياسية والاجتماعية، والأكاديمية، فإن الانحياز الرئيسي يجب أن يكون لمنظومة الأخلاق، والقيم الكونية الإنسانية، وأن ننتظم، خصوصا داخل فلسطين، على أساس هذه القيم التحررية الجماعية والتحررية الفردية، في مواجهة الاستبداد العام وفساد الحكم، وفي مواجهة الاستبداد الكولونيالي ولا أخلاقية الفكرة الصهيونية التي تكرس العنصرية، والسيطرة الاستعمارية، والمعاداة لفكرة المساواة.

إن التمسك بهذه المنظومة التحررية الأخلاقية يُحصننا داخلياً، ويساعد على استقطاب المزيد من منظمات المجتمعات المدنية في دول العالم، وكذلك استقطاب مسؤولين في بعض هذه الدول، في مسيرتنا التحررية.

اقرأ/ي أيضًا لـ عوض عبد الفتاح