انتهاء دور داعش... فماذا بعده؟

انتهاء دور داعش... فماذا بعده؟

سهيل كيوان

كان واضحا أن تنظيم داعش سيُهزم عاجلا أم آجلا، ولم يؤخر أو يعجل في هزيمته سوى ضرورات تكتيكية، انتهجها المعنيون بالأمر ممن صنعوه لتخريب ووأد الثورات العربية ووصمها بالإرهاب، فقد سلموا داعش راية المعارضة وهمشوا المعتدلين، قدموا لداعش بشكل مقصود ومدروس كل الدعم ليظهر كنموذج لثورة عنف وذبح وقتل لأتفه الأسباب، إضافة لعدم وجود أي جسر مع الآخرين لا من المسلمين المختلفين ولا مع الديانات ولا الطوائف والقوميات الأخرى. فمشروع داعش فاشل منذ بدايته، لأنه بلا أفق إنساني، وكل مشروع بلا أفق إنساني رحب يتسع للجميع بكل اختلافاتهم مصيره الفشل مهما بدا قويا.

كان واضحا أن من خلقوا داعش قصدوا إجهاض ثورات العرب وذبحها من خلاله، قبل أن تمتد أكثر. كلنا نتذكر أن حراكات شعبية ظهرت في عدد من الدول العربية بعدما انطلقت من تونس ومصر وليبيا واليمن، ظهرت في جنوب السعودية وعُمان والبحرين، وقويت المطالبات في الأردن وكذلك في المغرب بتحديد صلاحيات الملك من خلال مظاهرات بمشاركة مئات الآلاف.

'كان هدف صناعة داعش هو وضع الشعوب أمام خيارين، إما الرضى بالموجود أو انتظار الكوارث الأسوأ'

لهذا السبب، تساهلت جميع الأنظمة، المناصرة للثورة المضادة، مع نشوء داعش بشكل مباشر أو غير مباشر، وأتاحت له التمدد، وبدأت تظهر أشرطة الذبح التي يبثها داعش. وهذه كانت الهدايا التي انتظرها النظام السوري المترنح تحت وطأة الثورة الشعبية السلمية، والتي ينوي قمعها بالسلاح! فاستغل هذه الأشرطة لتخويف العالم، بل وأسهم في تسجيل الكثير منها بمساعدة أجهزة مخابرات عربية وعالمية.

بدأت مرحلة دعشنة وعسكرة الثورة السورية لتسهيل عملية ذبحها بعدما اجتاحت الثورة معظم المدن السورية وباتت تطرق أبواب دمشق، واكتسح داعش الموصل خلال ساعات علما أنها ثاني أكبر مدن العراق! ولم تقتصر عملية الدعشنة على فئة معارضة دون أخرى، كل معارض دمغ بالدعشنة، بل كل مؤيد للثورة السورية أو للحراك الشعبي ضد حكومة بغداد وكل معارض في الوطن العربي، ولو بقلمه، اتهم بأنه داعشي حتى ولو كان هنا في فلسطين. وامتد استثمار ظاهرة داعش في الانتخابات البرلمانية والمحلية في أوروبا وانتخابات الرئاسة في أميركا، وحاولت إسرائيل وما زالت تحاول صبغ النضال الفلسطيني بالدعشنة! بل وراحوا يضخمون امتداد التنظيم  في داخل الخط الأخضر حتى ولو كان 'لايك' في فيسبوك.

كان هدف صناعة داعش هو وضع الشعوب أمام خيارين، إما الرضى بالموجود أو انتظار الكوارث الأسوأ. كان كل فيديو ينشره داعش عن جرائمه لقطة وهدية لا تقدر بثمن بالنسبة للنظام السوري وأتباعه ومناصريه، لتستخدم غطاء للفتك بالمعارضين، إما بقتلهم إذا كانوا مسلحين أو اعتقالهم إذا كانوا مدنيين بتهمة دعم الإرهابيين.

الجميع ضد داعش ولكنهم لم يرغبوا بالقضاء السريع عليه. لقد أمهلوه كي يفتك ويدمر أكثر وأكثر، ويبعد شبح الثورة الحقيقية والعادلة عن أنظمتهم، وهناك مستفيدون يريدون للحرب أن تطول أكثر ما يمكن على الأرض السورية. إسرائيل أوصت أميركا بعدم الحسم لأي طرف، 'فهي تعرف المنطقة أكثر'، وروسيا المستفيد الأول من ضعف الأسد وتعلق روحه بها، لإقامة قواعدها على شواطئ المدن السورية، كذلك إيران الطامعة بسورية لمواصلة امتدادها من العراق إلى سورية إلى لبنان عبر حزب الله، وهناك السعودية التي تبنّت الدفاع عن ما أسمته أهل السنة في مواجهة المد الشيعي لتبعد نفسها عن خطر التحركات الداخلية ضد نظامها.  جميعهم لم يريدوا للمعارضة المعتدلة أن تنتصر على النظام، باستثناء تركيا  التي طالبت بمنطقة عازلة لحماية المدنيين، وتبنت المعارضة المعتدلة وساعدتها واستخدمت داعش لتحقيق مطامعها. إلا أن أميركا والغرب رفضوا تسليح المعارضة المعتدلة بمضادات للطائرات وإقامة المنطقة العازلة، متفقين بهذا مع روسيا وايران والنظام (وإسرائيل من وراء الكواليس)، ليبقوا السماء لصالح طيران النظام وحليفه الروسي.

أما بالنسبة لمد داعش بالرجال، فمن يوجد في  بلاده إسلاميون متطرفون يريد التخلص منهم، بغض النظر عن سفرهم إلى سورية، تماما كما فعلت السعودية ومصر مبارك أيام 'الجهاديين' الأفغان، عندما أرسلوا الشباب السعودي والعربي إلى أفغانستان للتخلص منهم. ولكن بعد هزيمة الروس، كان لا بد من هزيمة الحركات الجهادية التي باتت تتطلع للوصول إلى السلطة.   

حقق خلق داعش الكثير للأنظمة ولإسرائيل ولأميركا ولإيران ولنظام الأسد وللسعودية والأردن وغيرها، كثيرون كانوا مع الثورات انقلبوا ضدها أو تراجعوا ووقفوا على الحياد، وباتوا يتحدثون عن أهون الشرين، أي بقاء الوضع أو إعادته إلى ما كان عليه قبل الثورات.

انتهى دور داعش التخريبي، والآن يريدون القضاء عليه، ولكن السؤال الذي يقلق أنظمة الاستبداد العربي الآن 'ماذا بعد انتهاء التحالفات العالمية وسحق داعش أو تقليص نفوذه؟'؛ من الذي سيأتي بالدور لشطينته بعد أن يختفي هذا الشيطان الأكبر؟  وكيف يبقون على هذه النار التدميرية مشتعلة لتقضي على آمال الشباب العربي بالتغيير من جهة، ومن جهة أخرى فهناك من يريدون استمرار استنزاف طاقات العرب والإمعان في إضعافهم وتفتيتهم.

اقرأ/ي أيضًا |  حسابات واشنطن في معركة الموصل

مرحلة ما بعد داعش سوف تفتح آفاقا جديدة للمؤامرات على حقوق الشعوب العربية بالحرية، ولكن في الوقت ذاته، كل المؤشرات تقول إن المرحلة المقبلة ستشهد استئنافا لما بدأ في تونس ومصر، فالعالم العربي يغلي من جديد، والأنظار التي كانت متجهة إلى داعش وجرائمه ستعود لتلتفت وتكشف الحساب مع أنظمة الاستبداد التي لا بد من التخلص منها.

اقرأ/ي أيضًا لـ سهيل كيوان

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018