العنف وليد الإقصاء، الحل بيد العمل الجماعي

العنف وليد الإقصاء، الحل بيد العمل الجماعي

د. إمطانس شحادة

تتوالى علينا أخبار القتل المرعبة؛ شباب عرب يقتلهم عنف منفلت وسلاح فتّاك، نساء عربيات تقتلهن عقد ذكورية وتشوهات اجتماعية، حوادث طرق وحوادث غرق وحوادث عمل وحوادث إهمال، كلها قاتلة. إن كانت قيمة حياة الإنسان وكرامته وسلامته أثمن القيم، فمأساة مقتل الناس على هذه المذابح هي أخطر المشاكل. ونسأل أنفسنا: كيف نوقف كلّ هذا القتل؟ من المسؤول؟ وماذا يمكن أن نفعل كي ننقذ حياة الضحية القادمة وننزع المشاكل من جذورها؟

لقد تحوّل العنف والقتل والجريمة إلى خطر وجودي على المجتمع العربي في الداخل، وبات يهدد تماسكه الاجتماعي وتطوره الاقتصادي والثقافي. مجتمع عنيف هو مجتمع منهار اجتماعيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا وسياسيًا، فاقد لاحترامه لذاته ولأفراده وفاقد لأجهزة الضبط والرقابة الذاتية. ولا بدّ من حلّ حقيقي ومتكامل لدرئه.

في تقريرها حول العنف لدى الأقليات الإثنية، وجدت 'مؤسسة حقوق الأقليات- Minority Rights Group'، الفاعلة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، أن ارتفاع منسوب العنف والجريمة لدى الأقليات الإثنية هو نتيجة وانعكاس لحالة الإقصاء السياسي والاجتماعي التي تعاني منها الأقلية.

القتل والعنف ليسا من مركبات جينات المجتمع العربي، بل هو نتاج لواقع سياسي واقتصادي واجتماعي يدفع إلى استعمال العنف كحل لكثير من المشاكل والعقد الفردية والاجتماعية. لم يكن هذا الكم المهول من العنف والقتل متواجدًا في مجتمعنا قبل عدة عقود، كما أنّ معدلات القتل لدينا أعلى بكثير من معدلات القتل لدى المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وفي الدول العربية المجاورة (وفقا لمعطيات عرضت في اجتماع لجنة المتابعة الأخير في بلدية الطيبة بتاريخ 29.11.2016). 

لقد أكّد تقرير مركز حقوق الأقليات، الذي درس تجارب عديدة، أنّ حلّ قضايا ازدياد العنف يتطلب حلا شموليًا يطال الحالة الاقتصادية والتعليمية والثقافية الاجتماعية والبنى التحتية لمجموعات الأقلية، بالإضافة الى إشراكهم في اتخاذ القرار ووضع السياسيات العامة، خاصة تلك المتعلقة بمشاكلهم، أي إنهاء حالة الإقصاء.

وفي حالتنا، من الواضح أن تزايد العنف أولاً وأساسًا يرتبط بسياسات الإقصاء والعدائية التي تمارسها مؤسسات الدولة تجاهنا، وحلّه الأساسي بإنهائه وتغيير السياسات الحكومية. لكن الحلّ أيضًا، بالوقت ذاته، مرتبط فينا ذاتيًا كمجتمع عربي، ليس لأننا عرب، بل لأننا مجتمع يعاني من الإقصاء وإسقاطاته على بنيته الاجتماعية والقيمية، وحلّ قضاياه متعلّق بالعوامل الذاتية الداخلية وليس فقط في تغيير السياسات.

هناك قضايا ومشاكل لا يستطيع الفرد التعامل معها وحده أو حلها، وهناك قضايا لا تستطيع الجماعة وحدها حلها أو الغائها، وعلى الرغم من أهمية دورها هي بحاجة إلى تدخل المؤسسة الحاكمة والسلطات، وهكذا في حالة تفشي ظاهرة العنف في المجتمع العربي، لا يستطيع الفرد أو المجتمع العربي وحدهم حلّها دون تدخل الدولة، لكنهم يستطيعون المساهمة بجدية في حلها وبإمكانهم دفع الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في هذا الصدد.

بمقدور الشعوب المهمشة والمستضعفة التي تعيش حالة إقصاء سياسي اجتماعي حاد أن تقوم بخطوات لتغيير واقعها، منها ما يتعلق بتغيير قيم ومفاهيم وتصرف المجتمع ذاته، ومنها الضغط على مؤسسات السلطة بأن تأخذ دورها في حل المشاكل. علينا كمجتمع وأحزاب ومؤسسات جماعية طرح خطة عمل ترمي إلى تحويل آفة العنف إلى قضية رأي عام عامة حارقة، وقضية وجودية، ومطالبة جادة بحلول من الدولة ومن المجتمع ذاته.

هنا أقترح أن تقوم لجنة المتابعة العليا، بالتعاون مع اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية والأحزاب العربية كافة، والجمعيات الأهلية، الإعلان عن أسبوع لمناهضة العنف في المجتمع العربي يهدف إلى: رفع مستوى الوعي الجماعي والفردي لمخاطر العنف على المجتمع العربي، وتعريف القضية بأنها قضية وجودية بالنسبة لنا في هذه البلاد، نبذ كافة أنواع العنف ورفض أي تبرير له، وكذلك توعية الأجيال الشابة لإسقاطات العنف عليهم وعلى مستقبلهم.

أقترح أن يشمل أسبوع مناهضة العنف حملات في الإعلام العربي، وفعاليات تربوية توعوية في المدارس، بالتعاون مع مؤسسات أهلية والجمعيات الشبابية والنسوية، وفعاليات جماهيرية محلية بحث تقوم الأحزاب العربية واللجان الشعبية بفاعليات محلية لمناهضة العنف والقتل، بمساعدة اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية بتجنيدها للسلطات المحلية العربية وتسهيل الفعاليات الجماعية والسماح باستعمال منشآتها العامة. في نهاية أسبوع مناهضة العنف نقوم بمظاهرة قطرية موحدة أمام وزارة الامن الداخلي في القدس.

اقرأ/ ي أيضًا | قتل على خلفية غياب الفرد/ رامي منصور

بإمكان أسبوع مناهضة العنف تحويل هذه الظاهرة إلى تصرف منبوذ من كافة افراد المجتمع العربي، وترسل رسالة أننا موحدون في مواجهة هذه الآفة ونتحمل مسؤولياتنا ونرفضها، وترسل رسالة إلى الحكومة وأذرعها بأننا لن نصمت على استمرار الاستهتار بحياة المواطنين العرب، ونحملها القسط الأكبر من مسؤولية مكافحة العنف والجريمة ونطالبها بتغيير سياساتها، المسبب الأساسي للعنف. 

اقرأ/ي أيضًا | د. إمطانس شحادة

* أمين عام التجمع الوطني الديموقراطي  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018