بين المواطنة والوطن

بين المواطنة والوطن

سليمان أبو إرشيد

حقيقةً، لا أود الدخول في سجال مع الأخ والرفيق د. رائف زريق حول سياق تشكل التجمع الوطني الديمقراطي، وجذور نشأته كتعبيرعن إعادة صياغة الحركة الوطنية بمركباتها المؤسسة، أبناء البلد والتقدمية والمتمردين على الحزب الشيوعي، في حينه، والذي كان زريق واحدا منهم؛ وإنني أجد  ضرورة لتوضيح بعض الأمور بعد تعقيبه المنشور في 'السفير' اللبنانية (11/7) على ردي الذي نشر الأسبوع الماضي في 'عرب 48' .

صحيح أن نشأة التجمع كانت محكومة بظروف مرحلة أوسلو، التي استدعتها أصلا، إلا أنها جاءت ردا على تحدياتها، حيث نجح برنامج التجمع الاعتراضي في أن يشكل كاسر أمواج حقيقي أمام حالة التهافت نحو الأسرلة. بهذا المعنى، فإن الحديث يدور عن مركبات كانت تحاول النجاة بنفسها وبجماهيرها، التي هي جماهير الداخل الفلسطيني، من جرف رياح الأسرلة التي خلفتها تداعيات مرحلة أوسلو وتبدت مظاهرها الأولية برفع المزيد من العرب أعلام اسرائيل على سياراتهم والذهاب للاحتفال بـ'عيد استقلال إسرائيل'، بمجرد أن حكومة رابين 'تكرمت علينا' ببعض فتات الميزانيات ووقعت 'اتفاق غزة وأريحا' مع م. ت.ف.

'برنامج الحد الأدنى/ الاعتراضي، وإن انطلق من موقعنا 'في قلب إسرائيل'، لكنه اسـتأنف على الركيزة الأساسية التي تقوم عليها وهي يهودية الدولة وصهيونيتها، وبهذا المعنى فهم إسرائيليا، وكأنه محاولة لتقويضها من الداخل'

وغني عن البيان أن هذه المركبات عارضت أوسلو في وقت كان الحزب الشيوعي يهلل ويرحب دون أن ينسى تذكيرنا بأن 'الحجر الذي رفضه البناؤون أصبح حجر الزاوية'، وهو ما يعكس أو أحد انعكاسات، الاختلاف والخلاف الجوهري بين منطلقات ورؤى الحزب الشيوعي وبين منطلقات ورؤى هذه القوى، التي اصطلح تاريخيا على تسميتها بالحركة الوطنية والتي تمتد من حركة الأرض مرورا بحركة أبناء البلد والتيار الوطني في الحركة التقدمية والمنشقين على الحزب الشيوعي وانتهاء بالتجمع الوطني الديمقراطي، الذي جمع في مراحل تأسيسه الأولى غالبية هذه المركبات، أو ما بقي منها على قاعدة برنامج موحد ولا زال يضم غالبيتها.

هذا الاختلاف بين فهم الحركة الوطنية وفهم الحزب الشيوعي، هو ليس خلافا عابرا حول حدود الدولة الفلسطينية، وهل تكون في الضفة والقطاع أم على كامل أراضي فلسطين التاريخية، بل هو خلاف جوهري حول طبيعة الصراع مع الصهيونية وصنيعتها إسرائيل، وحول تعريفنا لهذه الدولة وتعريفنا لذاتنا ولهويتنا الوطنية وترجماتها السياسية ودورنا وموقعنا من المشروع الوطني الفلسطيني، وهل نحن جزء من المستقبل الفلسطيني أم جزء من التاريخ والتراث الفلسطيني فقط.

لقد صارعت أبناء البلد حتى قبل بضع سنوات على مجرد رفع العلم الفلسطيني في ميادين وساحات قرانا ومدننا الفلسطينية في الجليل والساحل والمثلث والنقب، وتمرد زريق ومن كان معه من مجموعة 'ميثاق المساواة' التي قادها عزمي بشارة، على قيام هذا الحزب بإنشاد 'هتكفا' في افتتاح مؤتمراته، ورفع علم إسرائيل في مظاهرات أول أيار، في حين حاربت جميع الحركات الوطنية والإسلامية وحوربت من أجل/ وبسبب امتدادها الفلسطيني خارج حدود اسرائيل.

وبغض النظر عن ظروف مرحلة أوسلو، التي تطلبت صياغة برنامج حد أدنى/ اعتراضي لمجابهتها، فإن المركبات التي تشكل منها التجمع الوطني الديمقراطي، التقت على أرضية وطنية فلسطينية خالصة وجمعها التمرد على برنامج الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومنطلقاته السياسية 'من خارج وداخل الحزب'، كما هو حال المجموعة التي شكلت لاحقا 'ميثاق المساواة'.

'لو كان زريق وغيره ممن تمردوا على برنامج 'السلام والمساواة' الذي اختطه الحزب الشيوعي يسعون لتطوير شعار ’المساواة’ فقط، لما انشقوا عن حزبهم وتحالفوا مع حركات وطنية فلسطينية الجذور والمنطلقات'

وفي شأن برنامج الحد الأدنى/ الاعتراضي، وإن انطلق من موقعنا 'في قلب إسرائيل'، لكنه اسـتأنف على الركيزة الأساسية التي تقوم عليها وهي يهودية الدولة وصهيونيتها، وبهذا المعنى فهم إسرائيليا، وكأنه محاولة لتقويضها من الداخل وهي محاولة تلتقي، على حد تعبيرهم، مع محاولات تقويضها من الخارج، وكانت كافية لاستنفار سلسلة ملاحقات وتدابير وإجراءات، استهدفت فيما استهدفته 'حماية الدولة اليهودية' من تداعياته، ويندرج في هذا السياق 'قانون القومية' الذي ما زال موضوعا على طاولة الكنيست، واقتراح ليبرمان بضم أم الفحم لأراضي السلطة الفلسطينية، وغيرها من التدابير، فيما تتمسك إسرائيل بالاعتراف بها دولة يهودية ضمن أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

لقد فطنت إسرائيل، وهي المسكونة أصلا بلوثة الهاجس الديمغرافي، إلى محاولات تغييرها/ تقويضها من الداخل ، واحتل النقاش المتفجر حول 'يهودية الدولة' المنابر الإعلامية والسياسية واضعا قضية الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، الذين همشهم أوسلو وأريد لهم أن يدفعوا إلى حضن الأسرلة، على أجندة المؤسسة والمجتمع الإسرائيلي، ليعيد بذلك القضية إلى بدايتها الأولى، إلى 1948.

ولو كان زريق وغيره ممن تمردوا على برنامج 'السلام والمساواة' الذي اختطه الحزب الشيوعي يسعون لتطوير شعار 'المساواة' فقط، لما انشقوا عن حزبهم وتحالفوا مع حركات وطنية فلسطينية الجذور والمنطلقات، مثل 'أبناء البلد' و'التقدمية'، بعد أن استأنفوا على أبجديات برنامج هذا الحزب. لقد قام هؤلاء بعملية قطع تاريخي مع الحزب الشيوعي والتحقوا بدرب الحركة الوطنية، ود. زريق يعرف ذلك جيدا. هذا هو الأساس، وليس تكتيكات وألاعيب سياسية واقتراحات قوانين تندرج في سياق النضال المدني الذي تخوضه جماهيرنا إلى جانب نضالها القومي.

وبخصوص التواصل مع العالم العربي والذي جاء ليترجم البعد القومي، لا أدري لماذا اختزل من قبل د. زريق بزيارات الأقارب لسورية حيث يورد: 'موضوع التواصل مع العالم العربي، وقد بدأ منذ منتصف التسعينيّات واستمر حوالي 10 سنوات. تاريخياً، جاءت الزيارات الشعبية إلى سورية أساسا في فترة انفراجٍ نسبيّ في المنطقة، وضمن محاولة بدت حينها جادّة للتوصّل إلى اتفاقٍ مع سورية. وجميعنا يعلم أن المحادثات خطت خطواتٍ في هذا الاتجاه. صحيح طبعاً أن زيارات الأقارب في سورية حملت دلالاتٍ عاطفيّة ووجدانيّة وقوميّة. لكنها أتت في سياق السعي للتوصل إلى اتفاق. لم ترغب سوريو الرسمية بالحديث مباشرةً مع إسرائيل، فكنا السطر الأول في المحادثة'. إلى هنا الاقتباس.

لا أعرف لماذا يغفل د. زريق، مثلا، زيارة لبنان والضاحية الجنوبية بعد العدوان على لبنان مباشرةً، ولماذا قفز عن خطاب القرداحة الشهير، الذي ألقي بحضرة السيد حسن نصر الله والسيد أحمد جبريل، ولماذا لم يذكر زيارات ليبيا الفردية والجماعية في عهد القذافي، ولا زيارات مماثلة للجزائر وتونس، ناهيك عن مصر والاردن وغيرها من دول المغرب والمشرق العربي، ولماذا لم يأت على ذكر عشرات الندوات والمؤتمرات والبرامج والحوارات المباشرة والمتلفزة، التي شارك بها وما زال سياسيين وصحافيين ومثقفين وفنانين من الداخل الفلسطيني، وغني عن القول، إن كتابة د. زريق لمقاله في 'السفير' هو ثمرة من ثمار هذا التواصل.

بهذا المعنى، فإننا عندما نتحدث عن تواصل مع العالم العربي، نتحدث عن كسر القوقعة التي أرادت إسرائيل حبسنا فيها، ونجحت بذلك على مدى سنوات طوال، وعن طرق فتح أبواب العالم العربي التي ظلت على مدى عقود موصدة في وجوهنا، وعندما خصصت في مقالي السابق الدول التي لا تقيم علاقات مع إسرائيل والمعادية لها بالذات، أردت التمييز بين علاقاتنا كـ'إسرائيليين' مع الدول العربية، حيث نستطيع زيارة مصر والأردن اللتان تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وبين تواصلنا كفلسطينيين مع عمقنا العربي، وهو تواصل لا يميز بين قطر وآخر 'إلا بالتقوى'.

لقد نجحت هذه الإستراتيجية في إعادة الشرعية 'المنزوعة' لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني وإعادة ربطه بمحيطه العربي، باعتباره جزء أصيل من هذا الجسم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، والذي حالت 'هويتنا الإسرائيلية' التي نحملها ليتسنى لنا البقاء في وطننا بيننا وبينه عقود طويلة.

اقرأ/ي أيضًا| الفلسطينيون في إسرائيل: هدوء يكسر القاعدة

طبعا لا أقلل من أهمية زيارات الأقارب التي هي حق لنا، لكنها تدخل ضمن الباب الإنساني، أسوة بالحج إلى الديار الحجازية، في حين يجري الحديث عن التواصل بمفهومه السياسي والثقافي والإعلامي، وهو ما نجحت تلك الإستراتيجية في تأسيسه وانتزاعه، فاتحة أمامنا أبواب العالم العربي على مصراعيه، بعد أن كنا 'كالأيتام على مائدة اللئام'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018