من المحال إطفاء المنارات

من المحال إطفاء المنارات

صقر أبو فخر

قرأنا أن جهات معلومة استولت على جميع مؤلفات، الدكتور عزمي بشارة، في معرض الشارقة للكتاب بعدما منحت نفسها حسماً على الأسعار مقداره 50%. وبهذا الإجراء تكون تلك الجهات قد حجبت هذه المؤلفات عن المواطنين مؤقتاً، الأمر الذي يجيز لنا القول، إن ذلك التصرف هو شكل مبتكر من أشكال المصادرة والمنع. وما يدعو إلى الغرابة هو أن تلك الكتب موجودة على الإنترنت، أو هي في طريقها لتصبح موجودة، ويمكن آنذاك تحميلها بسهولة. فما الداعي إلى هذا السلوك في إمارة اشتهرت بالثقافة وبكثير من الحريات، وبحاكم مثقف ومتنور لا يكف عن رعاية الثقافة والتأليف والنشر؟ هل وراء الأكمة جهات ضاغطة ترتعب من عبارات الحرية والعلمانية والثورة؟

المعروف، أن أكثر الكلمات مدعاة لهلع الفقهاء العرب هي 'الحرية'. وأكثر العبارات خروجاً على أفكار التكفيريين هي 'العلمانية'. ولهذا ليس غريباً أن تُصادر كتب الدكتور عزمي بشارة لأنها تحتوي، في عناوينها، عبارات الحرية والعلمانية والثورة. وسلطات الرقابة العربية لا تكترث للكتب المبتذلة التي لا يعنيها من أمور الإنسان والكون إلا إطلاق اللحية وتقصير الثوب وصنع الزبيبة في مقدمة الرأس، بقدر اكتراثها للكتب التي تدعو إلى الحرية. وليس عجباً، والحال هذه، أن أنين الثقافة العربية ما برح متصاعداً في سماء العالم العربي.

لنتذكر، من باب المقابلة التاريخية، أن كتب سقراط مُنعت قبل 2500 سنة. وإن الإكليروس منع حتى الإنجيل بعد أن طبعه الألماني غوتنبرغ في سنة 1450، لأن الناس راحوا يشترونه ويفسرون آياته بحسب أفهامهم، ما جعل احتكار رجال الدين لتفسير الإنجيل يتشقق. وشهدت ساحة كمبو دي فيوري (حقل الزهور) في روما كثيراً من عمليات حرق الكتب ومؤلفيها؛ ففيها أُحرق الفيلسوف والراهب الدومينيكاني، غيوردانو برونو، في سنة 1600 لأنه قال، إن الشمس هي مركز الكواكب القريبة، وإن الأرض هي التي تدور حولها (نظرية كوبرنيكوس). وكلنا يعرف أن كتاب 'الاعترافات' لجان جاك روسو مُنع، كما منعت رواية 'كانديد' لفولتير. لكن روسو وفولتير عاشا في مؤلفاتهما، واندثرت أسماء الذين ألقوا الحُرم عليهما. وفي سنة 1973 منعت السلطات السوفييتية رواية 'أرخبيل الغولاغ' للكاتب ألكسندر سولجنستين. وفي تلك السنة نفسها نال، ليونيد بريجينيف، جائزة لينين للأدب مع أنه لا يستطيع كتابة حتى رسالة. هل قرأ واحد منّا بريجينيف؟ بالطبع لا. لكن روايات سولجنستين، على الرغم من خيباته في المنفى الأميركي، ما برحت تُقرأ هنا وهناك. ومنع ماوتسي تونغ كتب كونفوشيوس إبان ما سُمي 'الثورة الثقافية'، وصادر جميع النسخ حتى من البيوت. ولم يطل الأمر كثيراً حتى عادت كتب كونفوشيوس إلى أيدي الناس الذين رموا 'الكتاب الأحمر' في نواصي الشوارع.

هذا ما كان يحدث في العصور الوسطى الأوروبية، وفي الأزمنة الحديثة في أطراف العالم. لكن ذلك كله انتهى منذ زمن بعيد، وصار يُدرج في تاريخ القمع والتسلط. أما في عالمنا العربي 'السعيد' فما زالت الحال على ذلك المنوال. لنتذكر هجمات معادي الحرية، وحرية التفكير بالتحديد، على 'ألف ليلة وليلة' و'الفتوحات المكية' لابن عربي، وعلى كتاب 'في الشعر الجاهلي' لطه حسين، و'نقد الفكر الديني' لصادق جلال العظم، وقبل ذلك 'الإسلام وأصول الحكم' لعلي عبدالرازق، و'أحوال المرأة في الإسلام' لمنصور فهمي، و'محمد رسول الحرية' لعبدالرحمن الشرقاوي، و'طفولة نهد' و'قالت لي السمراء' لنزار قباني، و'الخبز الحافي' لمحمد شكري، و'أين الخطأ؟' لعبدالله العلايلي، و'الخطاب والتأويل' لنصر حامد أبو زيد، و'من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ' للعفيف الأخضر.

هذه هي حال الحريات في العالم العربي التي يحاول مفكرو التنوير والنهضة والتقدم، أمثال عزمي بشارة، أن يضيئوا في هذه البيداء العربية المترامية منارات للحرية والديمقراطية. وهيهات أن يرضى الظلاميون. 

اقرأ/ي أيضًا | بشارة... والتحدي الزائف

(ضفة ثالثة)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018