قرار التقسيم... السؤال التاريخي وجواب الحاضر

قرار التقسيم... السؤال التاريخي وجواب الحاضر

سليمان أبو ارشيد

 في الذكرى الـ69 لقرار التقسيم، تبدو الصهيونية بمركباتها المختلفة، الممثلة وغير الممثلة في الحكومة الإسرائيلية، أكثر إصراراً على رفض أي قسمة تنتقص مما تسميه بـ'وحدة أرض إسرائيل' من النهر إلى البحر.

وفي سبيل ذلك، تعمل إسرائيل على إفشال أي تسوية تقوم على أساس 'الأرض مقابل السلام' وتسعى لتثبيت سيطرتها على الأرض، من خلال زرعها بالمزيد من المستوطنات لتغيير الواقع الديمغرافي، على طريق فرض سيادتها السياسية رسمياً على كل فلسطين التاريخية.

لقد ظلم الفلسطينيون عام 1947 بصدور قرار التقسيم الجائر، الذي قضى دون وجه حق بتقسيم بلادهم بينهم وبين الاستيطان الكولونيالي الوافد من أوروبا، بل وفضل المستوطنون على أهل البلاد الأصليين عبر منحهم 55% من مساحة فلسطين، جلها من أراضي الساحل الفلسطيني الخصبة والجميلة، مقابل 45% للفلسطينيين معظمها في الجبال والصحراء. وظلم الفلسطينيون أو 'ظلموا أنفسهم' عندما تم تحميل رفضهم المشروع لهذا القرار الظالم وزر نكبتهم وقيام الدولة اليهودية على أنقاض وطنهم.

لعشرات السنين، تواصلت عملية الجلد وجلد الذات وما زال البعض إلى اليوم، يحاول عبثاً إقناعنا بأن رفض قرار التقسيم كان خطأ تاريخياً تسبب بنكبة الشعب الفلسطيني وإننا لو وافقنا عليه لكنّا نحتفل بالذكرى الـ68 لإقامة الدولة الفلسطينية، عوضاً عن إحياء الذكرى الـ68 للنكبة.

هذا النهج، الذي يمكن اعتباره 'وكيل تاريخي' للتسوية، بقي يحمل القيادة الفلسطينية والعربية، التي رفضت قرار التقسيم، مسؤولية النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني وظل يدين الرفض الفلسطيني ويتهمه بالتسبب بكل الأذى الذي وقع، وما زال يقع على الشعب الفلسطيني وواظب منذ عام 1947على الدفع باتجاه التنازل والتصالح مع إسرائيل، كوسيلة للحصول على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو بعضها.

هؤلاء لم يقنعهم احتلال العصابات الصهيونية لأجزاء من الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية، وفق قرار التقسيم (الجليل والنقب) وضمها للدولة اليهودية التي أعلنت عام 1948، ولا احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية وغزة وسيطرتها على كامل فلسطين التاريخية عام 1967، إضافة إلى احتلالها لسيناء المصرية والجولان السورية، بل رأيناهم يسارعون إلى تبني الحل القاضي بإقامة الدولة الفلسطينية في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي تم احتلالها عام 1967 بعد لحس قرار التقسيم (181) واستبداله بـ242.

لقد ظل هذا النهج يروج للتسوية ويصفق لكل تراجع فلسطيني، حتى لو كان تحت وقع الضربات الإسرائيلية التي تعرضت لها حركة المقاومة الفلسطينية، وتحت وطأة الانهيارات العالمية والعربية التي أصابت معسكر أصدقائها، وذلك لإسباغ الشرعية على موقفهم التاريخي، الذي انفردوا به، من قرار التقسيم والذي لم ينبع من إرادة فلسطينية وعربية مستقلة، بل شكل في حينه امتداداً لموقف قوة أجنبية هي الاتحاد السوفييتي.

وفي السياق نفسه، هللوا لأوسلو ورأوا بالتراجع الفلسطيني 'عودة إلى حجر الزاوية الذي رفضه البناؤون'، وبالمقابل لم يستخلصوا النتائج في ما يتعلق بطبيعة الصهيونية وإسرائيل التوسعية التي تحكمها موازين القوة والضعف فقط، وليس مدى تنازل الفلسطينيين أو عدم تنازلهم، لم يستخلصوا النتائج عندما سحبت إسرائيل للقليل الذي أعطته للفلسطينيين في أوسلو، وإعادة احتلال المدن الفلسطينية واستباحة السيادة التي منحتها إياها هذه الاتفاقية، وبعد أن حاصرت الرئيس عرفات وقتلته وسعت إلى تحويل خليفته إلى مجرد وكيل أمني لإسرائيل برتبة رئيس.

اليوم تحل الذكرى الـ69 لقرار التقسيم، في ظروف تشييع حل الدولتين إلى مثواه الأخير وتدمير معادلة 'الأرض مقابل السلام' التي قامت عليها اتفاقية أوسلو، ووسط سعي حكومة الاستيطان التي يرأسها نتنياهو لاتخاذ تدابير وإجراءات جدية لضم مناطق 'ج'، التي تشكل 60% من أراضي الضفة الغربية لإسرائيل، تمهيداً لضم كامل الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية على كامل أراضي فلسطين التاريخية.

اقرأ/ي أيضًا | الخطابان السياسي والحقوقي... بين التوافق والهيمنة

حدوث ذلك بعد هذا الكم الفلسطيني من التنازلات، وموافقة القيادة الفلسطينية على التقسيم وعلى أقل من التقسيم 'إقامة الدولة الفلسطينية على 22% من الأرض الفلسطينية' وعلى أوسلو وعلى أقل من أوسلو، وتزامن الذكرى مع صعود نتنياهو معززاً بهيئة أركانه الإعلامية والأمنية، ليعلن الحرب على العرب في إسرائيل، بعد 68 عاماً على إقامتها، لا بد وأنه يعطي الجواب الواضح والقاطع على السؤال التاريخي المرتبط برفض قرار التقسيم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018