وماذا لو كان مشعلو الحرائق عربا؟

وماذا لو كان مشعلو الحرائق عربا؟

سهيل كيوان

لن أتحدث عن براءة العرب من إشعال الحرائق. ولا أتحدث هنا عن التسرع قبل إدانة شبان عرب! 

أتحدث عن ما هو أخطر، ماذا لو كان حقا أن بعض شبان عرب مراهقين هم الذين أشعلوا الحرائق؟ هل أصبح عمل جنائي كهذا يبرر هدم بيوت ومصادرة جنسيات والتحريض بقيادة رئيس الحكومة على مئات آلاف العرب في أماكن عملهم وبيوتهم وصالحهم؟ هل أصبح اقتراح مصادرة الجنسية أمرا  يلقى هكذا بهذه البساطة؟ هل أصبحنا رهائن عمل جنائي قد يقوم به أي مراهق؟

وهل من الصعب إيجاد مراهق يقوم بأعمال جنائية من هذا النوع، وهل من الصعب تلبيس تهمة كهذه لشبان عرب يقوم بها أي مدمن مخدرات مقابل السموم؟

القضية الجوهرية هنا ليست فقط براءة العرب من تهمة الحرائق، بل ماذا لو فعلا أن من قام بإشعال الحرائق هم من العرب، هل هذا يبرر هذه العقوبات بهذا المستوى الذي دار الحديث حوله، وهل هذا يبرر هذه الهجمة من قبل الحكومة على 20% من المواطنين؟

نتنياهو وصف الحرائق كسلاح دمار شامل يهدف إلى قتل جماعي لليهود، ونقل عملا من صنع الطبيعة إلى مصاف جرائم الحرب الدولية، ثم بدأ يبني جبهة لمحاربة هذا "الإرهاب" ليشارك فيها دول المنطقة العربية وأوروبا وسائر دول العالم.  

حسنًا تفعل لجنة المتابعة لشؤون المواطنين العرب وجمعيات المجتمع المدني بأنها تعد وتجمع دلائل لرفع دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة أولا، وضد المحرضين على العرب في تلك اللحظات العصيبة القابلة للاشتعال. تصرف رئيس الحكومة لم يكن سوى تصرف سياسي إجرامي عنصري ارتقى إلى مصاف السياسات الأكثر ظلامية في التاريخ البشري.

بإمكانكم تصور رد فعل رئيس الحكومة أو وزرائه في حالات كوارث أخرى نتيجة عمل الإنسان، أو نتيجة حرب مستقبلية. تستطيعون تخيل التحريض الدموي، ورد فعل الشارع اليهودي المتطرف المعبأ ضد العرب، لقد كانت ردود فعل الشارع اليهودي في معظمها تؤيد هدم بيوت العرب وحتى إحراقهم! وفي الوقت الذي اعتقل فيه شبان عرب على نكتة في "فيسبوك" فإننا لم نسمع عن اعتقال أي يهودي بشبهة التحريض الصريح على قتل العرب وإحراقهم.

الدرس الثاني الذي يجب أن نتعلمه، هو أن الإعلام الإسرائيلي في معظمه مجند إلى جانب السلطة، خصوصا عندما يتعلق الأمر باتهام العرب، وعلينا أن لا نعيش أوهام حرية الصحافة وديمقراطية إسرائيل، فهذه الحرية تتلاشى في اللحظات العصيبة، ويتحول الشعب اليهودي بقياداته وإعلامه في معظمه، باستثناء أصوات هامشية قليلة، إلى جبهة تحريض واحدة، وعناوين "يديعوت" و"معاريف" و"يسرائيل هيوم" و"واينت" وغيرها عن "إرهاب النار" توضح صورة هذا الإعلام المتذيل للسلطة الفاشية.

الدرس الثالث، هو نحن أنفسنا، لقد أعمى الحقد على المختلف بعض أبناء جلدتنا، وراحوا يردحون ويهاجمون التطرف وشيوخ الدين المحرضين، وراحوا يربطون بين هذا وما يحدث في العالم العربي. طبعا المقصود رجال الدين المسلمين لأن بعضهم قال إن الحرائق عقوبات إلهية على قانون منع الأذان، فكتبوا بكائيات في الأشجار وفي حيفا الجميلة المتعايشة التي يقوضها التطرف، ولم ينسوا في آخر بكائياتهم التعبير عن رفضهم  للتطرف والظلامية، بل وكتب أحدهم "ليس هكذا نحرر فلسطين" و"هذا ليس عملا وطنيا" في اتهام ضمني للعرب، بل وللقوى الوطنية الفلسطينية، وكأنها هي التي تشعل الحرائق. هذه الأصوات الجبانة من العرب التي تدين العرب ضمنا بمقولات محاربة التطرف ومحاربة الظلامية، تأتي نتيجة تحريض مستمر خاضه إعلام الاستبداد العربي والصهيوني واليمين المتطرف العالمي وبعض ما يسمى اليسار العربي، لشيطنة الإسلام والمسلمين! فبات المسلم متهما في كل شرّ في هذا العالم حتى ولو كانت كارثة طبيعية.

هؤلاء العرب يصطفون بهذا إلى جانب الإعلام العنصري الخبيث، وقد حدث أن تناقشت مع بعضهم على "فيسبوك" سواء على الخاص أو على مرأى من الجميع، وهؤلاء محسوبون على قوى اليسار الأممي، أحدهم يعتبر ناشطا سياسيا في إحدى القرى العربية، راح يبرهن لي وبالخرائط على أن مشعلي الحرائق هم من العرب، وعلينا أن لا ننكر ذلك، وبأن التحريض على العنف هو السبب، والدليل خريطة رسمها خياله المريض الذي يدبك ويرقص بالضبط كما رسموا وخططوا له في عملية غسيل دماغ طويلة الأمد.

يتوجب علينا أن نبني إستراتيجية واضحة تجاه تحريض بيبي الدموي على الجماهير العربية، فهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. كذلك يجب وضع حد لتحريض أبناء جلدتنا علينا المغلف بما يسمونه محاربة الظلامية والإرهاب، فإنهم يصطفون تلقائيا إلى جانب نتنياهو وليبرمان نتيجة وقوفهم إلى جانب قوى الاستبداد في العالم العربي، فيسكبون وقود حقدهم على آلة التحريض العنصرية ويزيدونها اشتعالا. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018