التعليم كمقياس محايد لعنصرية الدولة اليهودية

التعليم كمقياس محايد لعنصرية الدولة اليهودية

سليمان أبو إرشيد

إنه ليس التعليم فقط، بل هو تدهور في أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل، في مختلف مناحي ومجالات الحياة، لكن التعليم هو المجال الوحيد الذي يمكن ويجري قياسه ومقارنة نتائجه بالأرقام المجردة، غير القابلة للتحريف والتأويل ومن قبل أطراف دولية محايدة على غرار بحث 'التيمز' وامتحان 'البيزا' الدوليين، اللذين نشرت نتائجهما تباعا خلال الأسبوعين الأخيرين وشكلا دليلا واضحا على تمييز إسرائيل ضد المواطنين العرب ولائحة اتهام لسياستها العنصرية تجاههم.

لائحة يمكن سحبها بسهولة على كل مجال وآخر من مجالات حياتنا، مثل الخدمات الصحية والاجتماعية والبنى التحتية والإسكان والبيئة، والتي تشهد في العقد الأخير تدهورا فاق حدود الممكن وتخطى مساحة المعقول، دون أن يستنفر ذلك القاعدين في مراكز القيادة من رؤساء مجالس وأعضاء كنيست وغيرهم من القيادات. 

والتعليم مهم لنا ليس فقط لأنه قابل للقياس والمقارنة، من حيث النتائج، بل لأنه درة التاج الذي بدونه لن يستقيم لنا حال في دولة فشلت في تحويلنا إلى 'حطابين وسقاة ماء'، بالمعنى الحرفي للكلمة، فتسعى إلى إبقائنا دون السيد الإسرائيلي بدرجات، حتى لو كانت تلك الدرجات تهبط بالدولة اليهودية في التدريج العالمي، فنتائج امتحانات 'البيزا' التي نشرت هذا الأسبوع، كشفت أن نتائج الطلاب اليهود تضع إسرائيل في المرتبة 12 في فهم المقروء بينما تضعها نتائج العرب في المرتبة 64 مع العرب، وفي الرياضيات تضعها نتائج الطلاب اليهود في المرتبة 20 فيما تضعها نتائج الطلاب العرب في المرتبة 61.

ورغم أن النتائج كشفت عن صيانة وتعمق الفجوات في جهاز التعليم الإسرائيلي بمختلف المستويات، فإن اللافت هي الفجوة بين الطلاب اليهود والطلاب العرب، حيث تصل إلى 87 نقطة (من 800) لصالح الطلاب اليهود في العلوم و116 نقطة في فهم المقروء و104 نقاط في الرياضيات، وتظهر أيضا بقاء الفجوات بين الطلاب اليهود والعرب عند المقارنة بين طلاب ينحدرون من خلفية اجتماعية اقتصادية شبيهة أيضا، حيث تصل الفجوة بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا إلى 90 نقطة لدى الطلاب اليهود، فيما تنخفض إلى 25 نقطة بين الطلاب العرب، وهو ما يؤكد التمييز الذي يقوم على أساس قومي علما أن الطلاب العرب يعانون تمييزا مزدوجا. 

ومقابل التحسن في مجال سد الفجوات القائمة في مستويات أخرى، فإن الفجوة بين الطلاب اليهود والعرب يعتريها الثبات والتوسع بفعل عدم جدية السياسات التي تدعى أنها تسعى إلى ردمها، ففي حين سجلت إسرائيل ارتفاعا بين سنوات 2006 و2015 في نسبة الممتازين في فهم المقروء بـ 4% وفي الرياضيات بنسبة 3% وفي العلوم بنسبة 1% ، إلى جانب انخفاض نسبة الذين يعانون صعوبات بنسبة 5% في العلوم و12% في العلوم و10% في الرياضيات، فقد انحصر هذا التحسن في الوسط اليهودي فقط، بينما بقيت نسبة الممتازين بين الطلاب العرب في المجالات الثلاث لا تتجاوز الصفر وبقيت نسبة الذين يعانون صعوبات مرتفعة، حيث تبلغ نسبة الذين يعانون صعوبات في العلوم وفهم المقروء 56% والذين يعانون صعوبات في الرياضيات 64%، أي ضعف نظرائهم اليهود، في حين لم يكتب على مدى السنوات لنسبة الممتازين في مجال العلوم من العرب ان تتجاوز الصفر.

نتائج امتحانات 'البيزا' جاءت لتعزز ما ذهبت إليه نتائج امتحانات 'تيمز'، التي نشرت الأسبوع الماضي، وكشفت أيضا عن فجوات عميقة في جهاز التعليم بين اليهود والعرب، وكان اللافت فيها أن إسرائيل - الناطقة بالعبرية تقع في المرتبة السادسة بين روسيا وكندا في تدريج الرياضيات
والمرتبة الحادية عشرة بين الولايات المتحدة وكندا (دول العالم الأول) في العلوم، فيما تقع إسرائيل - الناطقة بالعربية في المرتبة الثالثة والعشرين بين الإمارات والبحرين في الرياضيات والمرتبة الخامسة والعشرين بين البحرين وقطر(دول العالم الثالث) في العلوم، وفيما تفوق نتائج الطلاب اليهود المعدل العام بـ52 نقطة في الرياضيات و42 نقطة في العلوم، تهبط نتائج الطلاب العرب إلى دون هذا المعدل بـ21 نقطة في الرياضيات و28 نقطة في العلوم.

'في مجتمعات أخرى كانت نتائج من هذا القبيل لتحدث هزة أرضية وتحرك جبال ورجال ونساء'

البحث الذي يجرى مرة كل أربع سنوات (يعتمد نتائج امتحانات الصفوف الثامنة) ويشمل 39 دولة ونشر الأسبوع الفائت، أدرج إسرائيل في المرتبة 16 في الرياضيات وفي المرتبة 19 في العلوم، كشف عن فجوة عميقة بين الطلاب اليهود والعرب تصل إلى 70 نقطة لصالح الأوائل في العلوم و73 نقطة في الرياضيات، وفي حين سجلت نسبة الطلاب الممتازين ارتفاعا بين الطلاب اليهود، انخفضت بين الطلاب العرب مقابل ارتفاع كبير في نسبة الطلاب الذين يعانون من صعوبات تعليمية. 

طبعا، في أي مجتمع يحترم نفسه يفترض أن تستفز هذه النتائج الكارثية المشاعر وتستنفر العقول وتحرك الناس المسؤولين وغير المسؤولين، وفي مجتمعات أخرى كانت نتائج من هذا القبيل لتحدث هزة أرضية وتحرك جبال ورجال ونساء، ولكن عندنا كان صوت مفتش المعارف (ممثل السلطة المسؤولة عن واقع التمييز العنصري) أقوى من صوت مندوب لجنة متابعة التعليم المنبثقة عن لجنة المتابعة، صاحبة الشأن لدى مناقشة الموضوع في راديو محلي.