اعتقال النائب باسل غطاس: عبر أولية

اعتقال النائب باسل غطاس: عبر أولية

د. إمطانس شحادة

تنطوي قضية اعتقال النائب د. باسل غطاس، على دلالات عديدة وعبر هامة يمكن لنا تشخيص جزءا منها الآن، لكنها، بطبيعة الحال، تبقى عبرًا أولية وتحتاج إلى مراجعة معمقة لاحقًا.

العبرة الأولى: الأسرى في لبّ الإجماع الوطنيّ الفلسطيني العام، في الداخل وفي الأراضي المحتلة عام 1967. هذا الجرح النازف والقضية الإنسانية والأخلاقية أكبر من كافة الأحزاب والتيارات، وفوق كل المناكفات السياسية الحزبية.

العبرة الثانية: التجمع، حزب مُستهدف، مُستبسل ومتين. أثبت التجمع الوطني الديمقراطي، بأعضائه وأصدقائه وبكوادره وقياداته، متانة نوعية ووحدة صف حقيقية في مواجهة التحريض وملاحقة مؤسسات الدولة، وصدّ بنجاعة محاولات ضرب الحزب وتفتيته. نعم، لقد بات واضحا أن الحزب مستهدف وأن هناك مشروعًا إسرائيليًا لإسكات هذا الصوت، أو على الأقل ترويضه، بعد أن أُخرجت الحركة الإسلامية (الشق الشمالي) عن القانون.

إنّ الاستبسال سمة التجمعيين، فقد قام كوادر وقيادات وأعضاء الحزب بالتصدي والاستبسال في الدفاع عن وجودهم، وعن حقهم الطبيعي في التنظيم والعمل السياسي، وعن مشروعهم القائم على تحدي المشروع الاستعماري الصهيوني، تمامًا كما استبسلوا دومًا في الدفاع عن حقوق أبناء شعبنا ومصالحهم، حين واجهنا مخطط برافر، وتصدينا لمشروع الخدمة المدنية وهدم البيوت، وفي المواقف المشرّفة الواثقة في قضايانا الوطنية.

العبرة الثالثة: شعبنا يتبنى القضايا الوطنية ويتصدى للتحريض. كان موقف مجتمعنا الفلسطيني في الداخل رائعا، كما عهدناه، حين يتبنى القضايا الوطنية ويدافع عنها ويتصدى للتحريض الإسرائيلي ولا يلين. ناهيك عندما يتعلق التحريض بقضية إجماعية إنسانية وطنية بامتياز مثل قضية أسرى الحرية في السجون الإسرائيلية.

فمنذ اعتقال النائب غطاس وتوضّحت ملامح التمييز والعنصرية في هذا الاعتقال غير المسبوق لعضو كنيست، وبات واضحًا أنه اعتقال سياسي، التفّ المجتمع حول النائب غطاس وحضنه ودافع عنه، وعن حقنا في العمل السياسي المتحدي، حتى ولو أزعج ذلك المؤسسة الإسرائيلية. عندما نطرح على المجتمع والأحزاب العربية قضية وطنية عادلة وإنسانية يحملونها من دون تردد.

العبرة الرابعة: المؤسسة الإسرائيلية تسعى لتفكيك القائمة المشتركة. بات واضحًا أن كافة مركبات القائمة المشتركة تتعامل مع هذا الإنجاز كإنجاز إستراتيجي للعمل السياسي الجماعي للفلسطينيين في الداخل، وتسعى للحفاظ عليه. لا نبيح سرًا إذا قلنا أن مجرد وجود القائمة يزعج المؤسسة الإسرائيلية التي ترمي إلى تفكيكها في أفضل الحالات (من وجهة نظر إسرائيلية طبعًا)، أو على الأقل ترويضها وتحديد سقفها السياسي بما يتماشى مع الخطاب الإسرائيلي. لقد جُنّدت قضية النائب غطاس واعتقاله، دون الإعلان عن ذلك، لامتحان صلابة وتماسك القائمة المشتركة.

لقد تداركت واستوعب القائمة المشتركة ومركباتها، رغم أن أداءها كان مرتبكا في الأيام الأولى لتسريب التهم، خطورة الخطوة الإسرائيلية ورفضت الغبن والتمييز اللذين تجليا في الاعتقال. عليه، ينبغي للقائمة المشتركة أن تكون أوضح موقفا، وبإمكانها ذلك، في رفض وإفشال الأهداف السياسية المبطنة للمؤسسة الإسرائيلية في هذه القضية، وأن تؤكد بأنها لن تسمح للمؤسسة الإسرائيلية بدقّ الأسافين بين مركبات المشتركة، ولن تتيح أي فرصة لتحويل القضية إلى موضوع خلافي داخل المشتركة، وأنّها بالقطع ترفض تبني رواية المؤسسة الإسرائيلية، حتى لو كان هناك بعض الخلافات والنقاشات الداخلية الشرعية بين مركبات المشتركة.

العبرة الخامسة: الإعلام والأحزاب الإسرائيلية تتبنى رواية المخابرات أوتوماتيكيًا. إنّ المجتمع الإسرائيلي بغالبية أطيافه السياسية والإعلامية دائمًا ما يتوحد ويتجند فورًا لتبني الرواية المخابراتية، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بنواب أو قيادات عربية أو عندما يتم التلويح بملفات أمنية. لقد تبنى الإعلام الإسرائيلي رواية الشرطة دون أي استئناف أو مراجعة، بل أصدر الأحكام الفورية على النائب غطاس، وكذلك كان سلوكه بعد الاعتقال التعسفي، ولم يطرح الأسئلة المطلوبة واستمر في التحريض والتجريم، مع إدراكه التام أن لا حاجة للاعتقال، وأن لا سابقة قضائية لهذا التصرف، حتى حينما كانت التهم الموجهة لأعضاء كنيست أو ممثلي جمهور أخطر من التهم الموجه للنائب غطاس.  

كما تجندت كافة الأحزاب الصهيونية لمهاجمة النائب غطاس، وطالبت بإصدار أحكام ميدانية قبل انتهاء التحقيق، وذلك بمجرد نشر التسريبات الأولية عن فتح التحقيق بتهم أمنية واهية، سقطت بعد أولى جلسات المحكمة، وقبلت جميع هذه الأحزاب سحب الحصانة البرلمانية من النائب غطاس، ولو استطاعت لطردته من الكنيست لمجرد تسريب حول فتح التحقيق. ففي هذه الحالات، يذوب الاختلاف داخل المنظومة الحزبية ويظهر الإجماع.

العبرة السادسة: يجب تغيير قواعد اللعبة السياسية. ربما تجمل هذه العبرة القضية، فالحاجة ماسة بأن يقوم المجتمع العربي والأحزاب العربية والمؤسسات الجمعية، بطرح مطلب تغيير قواعد اللعبة السياسية التي تحاول إسرائيل فرضها علينا. استمرار تشديد إسرائيل على معادلة الديموقراطية الشكلية الإجرائية كالحد الأقصى المسموح به للحراك السياسي العربي في الداخل، لم تعد مقبولة علينا. ناهيك أن تلك المعادلة تآكلت في العقدين الأخيرين، وارفقت لها شروط تتعلق بقبول طبيعة إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية للمشاركة في الديمقراطية الإجرائية. من دون تغيير هذه المعادلة والمطالبة بتحويل إسرائيل إلى دولة المواطنين، وهو ما طرحة التجمع الوطني الديموقراطي منذ تأسسيه في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لن تتغير مكانة المواطنين العرب القانونية والسياسية، ولن نُحَصل حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسنكون دائما تحت رحمة ومنن الحكومات الإسرائيلية. حتى في هذه الظروف الفلسطينية والإقليمية والعالمية التعيسة، لا مفر من طرح المشروع الديموقراطي الحقيقي الرامي لضمان الحقوق المدنية والقومية، وأن لا نخشى مواجهة الفاشية الصهيونية بمشروع ديموقراطي إنساني يتحدى الحالة الاستعمارية، ويعرض بدائل قابلة للتنفيذ تضمن مستقبلا أفضل لشعبنا في هذه البلاد، لا أن نكتفي بمطلب تغيير السياسات وتبديل الحكومات.    

لا أدعي بأني أُجمل في هذه المقالة كافة العبر والاستنتاجات من قضية اعتقال النائب غطاس واسقاطاتها السياسية، وحتما سيكون نقاش أوسع في كافة أبعاد هذه القضية، لكنني اعتقد أن هذه العبر الأولية هامة لتوضيح وترشيد حدود نقاش هذه القضية. وكلي ثقة بأننا كشعب وأحزاب وتيارات سياسية سننجح، كما نجحنا في السابق، في التصدي موحدين لمحاولات إسرائيل تغيير قواعد اللعبة السياسية، وسنحقق آمال وطموح شعبنا بحياة كريمة هانئة مرفوعي الرأس.