عندما يتحول ليبرمان إلى معتدل

عندما يتحول ليبرمان إلى معتدل

سليمان أبو إرشيد

من المفارقات أن يعارض وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، خطة ضم مناطق "جـ" في الضفة الغربية التي يتبناها رئيس "البيت اليهودي"، الوزير نفتالي بينيت. هو واقع يعكس حال الخارطة السياسية في إسرائيل، حيث تحتدم المنافسة بين اليمين المتطرف والأكثر تطرفا بعد تهاوي معسكر "اليسار" واختفاء "اليمين المعتدل".

ليبرمان وفي محاولة لتقزيم خصومه من "البيت اليهودي" والظهور بالمظهر الأكثر حرصا على المشروع الاستيطاني الجديد والقديم، أشار إلى أن هذه الدعوات قد تجلب بعض أصوات الناخبين لكنها تجلب الضرر لمشروع الاستيطان، ودعا إلى التحلي بـ"الحكمة" وعدم اتخاذ خطوات استفزازية من شأنها تسهيل "مهمة الأعداء".

هكذا هو الحال عندما يكون السباق بين من يرون في المشروع الاستيطاني دينهم وديدنهم؛ سباق على استرضاء وتملق المستوطنين، وتنافس على مدى الولاء والإخلاص لمشروعهم.

لكن "البيت اليهودي" بقيادة بينيت ممثل الصهيونية الدينية التي تشكل المادة الأيديولوجية للاستيطان، في طريقه إلى الكسب الانتخابي، إذ يقرأ بنجاح الخارطة السياسية المحلية والدولية، وهو في الوقت ذاته الذي يسعى فيه إلى جر نتنياهو وليبرمان وسائر أطراف الائتلاف الحكومي إلى جادة مواقفه الاستيطانية، يستغل الرياح الترامبية التي تنبئ بتحول في الموقف الأميركي، لطرح وتسويق خطته التي يجري تطبيقها على أرض الواقع بشكل بطيء ضمن سياسة الضم الزاحف. 

وتقضي خطة بينيت التي كشف عنها مجددا، منتصف الأسبوع، في صحيفة "جيروزاليم بوست" بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا في المناطق المصنفة "أ" و"ب" في الضفة الغربية، والتي تبلغ مساحتها نحو 40% فقط بعد ضم المناطق "جـ"،  التي تشكل 60% من مساحة الضفة لإسرائيل.

ويقول بينيت إنها ستكون أقل من دولة، ولكنها أيضا تعني الكثير، ستكون لهم حكومة مركزية وانتخابات إذا ما أرادوا، وسيديرون حياتهم بأيديهم، يدفعون ضرائبهم لأنفسهم، يتولون شؤون التعليم ويجمعون نفاياتهم، وستكون هناك حرية كاملة للحركة من دون حواجز إسرائيلية

الخطة تشمل، وفقًا لبينيت، استثمارات اقتصادية في البنى التحتية بما في ذلك ميناء بري في جنين مرتبط مع حيفا، وتطوير كبير للشوارع ومنطقة سياحية حرة تربط الناصرة مع نابلس والقدس وبيت لحم. ويحصل الفلسطينيون وفقا لبينيت على كل ما يريدون من أجل "الازدهار"، إلا أنهم لن يمتلكوا حق إعادة اللاجئين حتى إلى أراضي الحكم الذاتي الخاصة بهم، كما أن منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية ستكون منزوعة السلاح.

أما الدولة الفلسطينية فهي موجودة في غزة، حسب رأيه، التي تمتلك أكثر من ثلاثة من عناصر الدولة الأربع، وهي حدود واضحة، جسم حكومي فاعل، قوة عسكرية وعلاقات دولية.

ومن يعتقد أن خطة بينيت ستبقى حبرًا على ورق، سرعان ما سيكتشف أنه مخطئ، لأن الأخير يعمل ضمن توجه الضم الزاحف وقد دعا الحكومة لإقرار مشروع قانون ضم مستوطنة "معاليه أدوميم" الواقعة على تخوم القدس حتى نهاية الشهر الحالي. والقانون ليس بالجديد، إذ تمت بلورته من قبل ما يسمى بـ"اللوبي البرلماني أرض إسرائيل" الذي يضم جميع كتل الائتلاف الحكومي باستثناء "يهدوت هتوراة"، ووقع عليه كل رؤساء تلك الكتل بما فيها الليكود و"يسرائيل بيتينو".

وكما جرى في قانون "تسوية البؤر الاستيطانية"، يعرف بينيت أن ليبرمان ونتنياهو لن يجرؤان على التصويت ضد مثل هذا القانون في الكنيست، لأنهما أجبن من الوقوف في وجه تيار المد الاستيطاني الجارف، وأن نتنياهو سيدير حربه من وراء الكواليس، لمنع طرح القانون على طاولة الكنيست، أو أنه سيتذرع بمخافته للقانون الدولي وتوريط إسرائيل بجرائم حرب. إلا أن نتنياهو الحالم بأرض إسرائيل الكاملة ليس أقل من بينيت، ما زال يفضل الانتظار إلى ما بعد دخول ترامب إلى البيت الأبيض، عسى أن تكون الفرصة سانحة فعلا لتمرير هكذا قانون، من شأنه تعظيم شأن ما يسمى "القدس الكبرى" وتقطيع أوصال الضفة والحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية.

سيناريو كهذا غير مستبعد في ظل واقع انقسام وعجز فلسطيني وانكسار عربي ومد يميني عالمي يبدو أن ترامب أول "بشائره"، ناهيك عن تهاوي "معسكر السلام الإسرائيلي". 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018