على رأي بيبي: الفيسبوك وليس الاحتلال...

على رأي بيبي: الفيسبوك وليس الاحتلال...

سهيل كيوان

يحاول بيبي نتنياهو مدعومًا بحكومته الفاشية، وبتواطؤ من أحزاب ما يسمى الوسط واليسار، فرض قوانين جديدة تخنق كل صوت معارض للاحتلال والعنصرية على صعيد فلسطيني وعربي وعالمي.

في الداخل يحاول خنق الأصوات المعارضة له ولسياسته وقمع معارضيه ومنافسيه خارج وداخل حزبه وتهميشهم على طريقة الأنظمة الدكتاتورية. يبدو الأمر جليا أكثر إذا ما ربطناه بالشبهات حول بيبي نتنياهو برشوة مالك "يديعوت أحرونوت"، نوني موزيس، مقابل الكف عن استهدافه في وسائل إعلامه، كي يتاح له فعل ما يشاء دون رقابة من الصحافة التي تعتبر "كلب حراسة الديمقراطية".

بيبي يحاول كبح وشيطنة أي مظاهر معارضة للاحتلال ومعاقبة ليس فقط من يقاوم بالفعل، بل من يكتب رأيا ضد الاحتلال في "فيسبوك" أو المواقع الاجتماعية الأخرى، وهي قوانين تتناقض مع الأعراف الدولية التي تبيح مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، طبعا دون استهداف المدنيين.

يقصد بيبي من خلال سن هذه القوانين فرض أمر واقع على المجتمع الفلسطيني والعربي والعالمي بالتصالح مع الاحتلال  والصمت على ممارساته. بيبي يريد من الواقعين تحت الاحتلال ومن المفاوض الفلسطيني ومن الأمم المتحدة والدول ذات الصلة، أن يتعاملوا مع التفاصيل والتفرعات الناتجة عن الاحتلال وليس مع الاحتلال من أصله. يريد تطبيق قوانين أوجدها الاحتلال على مقاسه، وتقزيم الصراع مع الاحتلال إلى صراع على دونم من الأرض هنا أو هناك، أو على  تصرفات جندي على حاجز وعلى أعداد من يسمح لهم بدخول إسرائيل للعمل، مقابل إخفاء كلمة احتلال من القاموس السياسي للمنطقة والعالم.

بيبي يريد احتلالا معترفا بشرعيته دوليا، يريد التطبيع مع حالة الاحتلال وأن يحولها إلى أراض مختلف عليها، وفصل ما ينتج من عنف عن المسبب، والإيهام بأن العنف هو نتيجة تحريض وكراهية ومزاجات شخصية في بعض الأحيان أو خلاف بين شاب وخطيبته فخرج لينتقم من اليهود.

بيبي يريد أن يثبت بأن المقاومة الذي يمارسها بعض أبناء فلسطين ضد الاحتلال ليست سوى تأثر بداعش في العراق وسوريا أو بخطبة جمعة في مكان ما على الأرضية وبقرار الأمم المتحدة المدين للاحتلال أو نتيجة ستاتوس في "فيسبوك"، وحتى نتيجة إصرار أبو مازن على وقف الاستيطان كشرط للعودة للتفاوض.  

نتنياهو يحاول إلغاء قانون من قوانين الحياة، وهو بأن فعل الظلم لا بد وأن يؤدي إلى رد فعل، قد تكون ردة فعل دبلوماسية وقد تكون عنيفة أو غير ذلك. الاحتلال هو فعل اغتصاب للأرض والإنسان، ولا يمكن فصل النتيجة عن السبب والمعلول عن العلة، بيبي هرب من الحقيقة بربط عملية الدهس في القدس بعمليات مشابهة في فرنسا وفي ألمانيا بهدف تشويه الحقيقة وحرفها عن منطق وسياق وأسباب وقوعها، وبهدف "دعشنة" كل من يقاوم الاحتلال جريا مع الموضة العربية التي "تدعشن" كل مقاوم للاستبداد.

صحيح أن نتائج عمليات الدهس متشابهة في القدس وبرلين وباريس ولكن الأسباب والدوافع مختلفة. هنا يوجد احتلال ترافقه عمليات هدم واسعة لمئات المنازل الفلسطينية بل لآلاف البيوت عبر السنين.

هنا مر مئات الآلاف بتجربة السجن وقضوا ما مجموعه ملايين السنين وراء القضبان، وقضى كثيرون منهم داخل السجون، ومنهم أكثر من سبعة آلاف ما زالوا وراء القضبان بينهم قاصرون ونساء، ومئات من المعتقلين الإداريين.

هنا يوجد احتلال ومصادرة أراض وهدم بيوت، ومصادرة هويات وجدران فصل عنصري وتحطيم عائلات ورفض جمع شملها وعمليات إذلال على الحواجز وتجويع من خلال الحرمان من العمل، والمس بالتجارة من خلال عرقلة الاستيراد والتصدير، وحصار بحري وبري وجوي وحرمان من الرزق.

هنا يجري اغتصاب مقدسات، هنا يوجد استيطان أقر العالم قبل شهر فقط بأنه غير مشروع، هنا يقتل الناس على الشبهة، ويقتل الجريح الفاقد للوعي، ولا يعاقب المجرمون كما يجب أن يعاقبوا. أما في ألمانيا وفرنسا وأوروبا، فهي أعمال لها مسبباتها الأخرى المختلفة تماما عن الاحتلال المباشر، ولن أخوض هنا بخلفيات العمليات الإرهابية في أوروبا فهي تختلف جوهريا عن ما يجري هنا ضد قوات جيش احتلال.

العمليات المتكررة منذ أكثر من أربعة عقود تقول أمرًا واحدًا، إن شعبًا يقع تحت الاحتلال لن يُسلّم ولن يقبل باستمرار الاحتلال مهما كانت شدة أدوات القمع، وأن القضية ليست خلافات على قطعة أرض خاصة هنا أو هناك كما في مستوطنة عامونا، الخلاف ليس على مستوطنة مرخصة أو غير مرخصة، ولا على أعداد العمال الذين يسمح لهم بالعمل داخل الخط الأخضر، ولا على تقاسم مصادر المياه المجحف، ولا على إهمال شق طرق، ولا على مكبات القمامة الكيماوية؛ الصراع هو بين محتل وبشر تحت احتلال.

محاولات بيبي بتجريم كل من يكتب منشورا على "فيسبوك" وغيره ضد الاحتلال  مردودة عليه، فلا يوجد محرض على العنف أقوى من احتلال أرض الآخرين ونهب خيراتهم وإذلالهم، هذا هو سوس البلاء الذي يدركه العالم، وكل المحاولات الأخرى لفصل الأسباب عن النتائج تبقى عقيمة ولا تؤدي إلا إلى مزيد من الإحباط وردود الفعل وردود الفعل المضادة في مسلسل لا يبدو أنه سينتهي قريبًا...    

ملف خاص | هبة القدس والأقصى