لماذا يريد نتنياهو البقاء بالحكم؟

لماذا يريد نتنياهو البقاء بالحكم؟

بلال ضاهر

 لماذا يريد نتنياهو البقاء في الحكم بعد أن تولى رئاسة الحكومة 11 عاما، حتى الآن؟ ما الذي يريد أن يحققه؟ بالمفاهيم الإسرائيلية هذه مدة طويلة وغير معقولة. وربما الإجابة على ذلك هي أن نتنياهو ببقائه في الحكم يخدم جهات في إسرائيل وخارجها


ما لا شك فيه هو أنه توجد قضية فساد سلطوي في الصفقة التي كادت تٌبرم بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وعدوه الإعلامي ومالك مجموعة 'يديعوت أحرونوت' الإعلامية الضخمة، أرنون (نوني) موزيس. وتوجد في صفقة كهذه مصلحة لكلا الجانبين: نتنياهو أراد تغطية إعلامية مؤيدة وداعمة له، وموزيس أراد أن تبقى 'يديعوت' الأولى بين الصحف والإعلام، لكي يحصل على أكبر كمية من الإعلانات والنفوذ والهيمنة والقوة.

بلال ضاهر

وفي هذه الصفقة، التي لم تخرج إلى حيّز التنفيذ، تعهد نتنياهو، بحسب القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي وصحيفة 'هآرتس'، بأن يسعى إلى سن قانون يقيد صحيفة 'يسرائيل هيوم' من خلال منع توزيعها بالمجان. وفي المقابل، تعهد موزيس بأن يفعل كل ما بوسعه من أجل بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة أطول فترة ممكنة. وفي خلفية هذه الصفقة، أن 'يسرائيل هيوم'، ولأنها توزع مجانا، أصبحت الأكثر انتشارا وتجاوزت 'يديعوت'، بعد فترة وجيزة من تأسيس 'يسرائيل هيوم'، في العام 2007.

لقد رأى موزيس بصدور 'يسرائيل هيوم' خطرا على مجموعته الإعلامية، التي تضم مجموعة من الصحف المحلية وصحيفة باللغة الروسية منتشرة بين المهاجرين الروس إضافة إلى 'يديعوت' والموقع الالكتروني ynet. بل أن موزيس رأى بنتنياهو شخصيا خطرا على مجموعته الإعلامية، وليس بسبب 'يسرائيل هيوم'، التي أسسها الملياردير اليهودي الأميركي اليميني، شيلدو أليسون، من أجل دعم حكم نتنياهو، وأنفق عليها حتى الآن 750 مليون شاقل. إذ أن نتنياهو نجح في أن يجند إلى جانبه، وفقا لتقارير إعلامية، رجل الأعمال شاؤول ألوفيتش، الذي يملك عددا من شركات الاتصالات، بينها 'بيزك'، كما أنه يملك موقع walla الالكتروني الذي تجاوز بانتشاره موقع ynet، ويقوم بتغطية داعمة لنتنياهو، وذلك بعد أن ساعد الأخير ألوفيتش بمنع سن قانون من شأنه المس بأعمال ألوفيتش في مجال الاتصالات.

لكن مجموعة 'يديعوت' بقيت تحتفظ بقسم من القوة الإعلامية، وخاض موزيس حربه ضد نتنياهو من خلال أقلام صحافييه، الذين هاجموا نتنياهو في كل مناسبة، وحتى بدون 'مناسبة' أو مبرر أحيانا. ووصلت هذه الحرب إلى تلاسن بين أدلسون و'يديعوت' من على صفحات الصحيفتين. لكنها لم تبق هناك، لأنه توجد عدة مواقع الكترونية اليمينية المتطرفة الداعمة لنتنياهو، وتهاجم موزيس.

وهناك جانب آخر لهذه الحرب يتعلق بصحيفة 'هآرتس' ومالكها، عاموس شوكين. فقد كانت 'يسرائيل هيوم' لدى صدورها تُطبع في مطابع 'هآرتس'، وبعد سنوات معدودة أسست مطبعة خاصة بها، ما يعني أن 'هآرتس' فقدت مصدر دخل. لكن لم يبدُ أن 'هآرتس' وصحافييها هادنوا أو دعموا نتنياهو، بسبب طباعة 'يسرائيل هيوم' لديها. وتنتقد هذه الصحيفة نتنياهو بشكل دائم وتلتزم بخط مناهض لسياسة نتنياهو، خاصة فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

إلا أن الصحافي يوءاف يتسحاق، وهو شخص يميني، نشر في موقعه الإلكتروني المنتشر News1، أول من أمس الثلاثاء، أن تغطية 'هآرتس' لقضية نتنياهو – موزيس، ليست موضوعية، وأن موزيس يبتز شوكين أيضا. ولذلك، برأيه، فإن تغطية 'هآرتس' منحازة إلى موزيس، الذي لديه معلومات حول 'تسجيل يوثق علاقات إشكالية بين عاموس شوكين وإعلامي رفيع'؛ معلومات إشكالية بين شوكين وعدد من موظفي مجموعته الإعلامية؛ 'معلومات حساسة حول ابتزاز مارسه (موزيس) قبل عدة سنوات ضد شوكين على خلفية مالية – جنسية' وأن شوكين سعى إلى منع النشر حول ذلك مستعينا بصحافيين وإعلاميين كبار وكذلك 'برجال قانون كبار'. لكن يبدو أن هذا النشر هدفه منع تشديد الهجوم على نتنياهو.

كل ما تقدم يتعلق بالتحقيق ضد نتنياهو في القضية المعروفة باسم 'القضية 2000'، التي يقول محققو الشرطة ومسؤولون في النيابة العامة إنها الأخطر بين قضيتين. القضية الثانية هي 'القضية 1000'. و'القضية 2000' موجودة على طاولة المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، منذ أشهر طويلة، لكنها لم تكشف إلا في مطلع الأسبوع الماضي. وتشير المعلومات في هذه القضية إلى أن نتنياهو وموزيس بدءا مفاوضاتهما حول الصفقة منذ العام 2009، واستؤنفت في العام 2014، قبيل انتخابات 2015، لكن كما ذُكر أعلاه لم يتم التوصل إلى اتفاق بينهما.

والشبهات ضد نتنياهو في 'القضية 1000' تتعلق بحصوله على منافع شخصية، على شكل هدايا شملت سيجار فاخر وشمبانيا ثمينة، إضافة إلى تمويل رحلات إلى خارج البلاد والإقامة في فنادق فخمة هو وعائلته. وتقدر فيما 'الهدايا' من السيجار والشمبانيا بـ400 ألف شاقل، وأن نتنياهو لم يخجل بتلقي هذه 'الهدايا' وإنما كان يطلبها من رجال أعمال إسرائيليين وأجانب ولديهم مصالح تجارية في إسرائيل.

لا شك أن 'القضية 1000' و'القضية 2000' تنطويان على مخالفات جنائية، لأنه في القضية الثانية، نتنياهو – موزيس، تبرز محاولة لرشوة. رشوة في كلا الاتجاهين. من الجهة الثانية، برز طوال ولايته أن نتنياهو مستعد لفعل أي شيء من أجل البقاء في الحكم. فبعد أن تغلغلت الصهيونية – الدينية الاستيطانية إلى مراكز الحكم وصناعة القرار في إسرائيل، بات نتنياهو أحد زعماء اليمين المتطرف، وليس اليمين التقليدي الذي كان يمثله حزب الليكود.

ولم يتردد نتنياهو، عندما شعر بوجود خطر على حكمه في يوم الانتخابات العامة الأخيرة، من إطلاق تفوهات عنصرية ضد الأقلية العربية في إسرائيل. كما أنه سعى إلى إرضاء اليمين المتطرف الشعبوي والفاشي من خلال دعم سلسلة من القوانين العنصرية والمعادية للديمقراطية. نتنياهو كرئيس حكومة لم يتردد في التعبير عن دعمه للجندي القاتل، إليئور أزاريا، خلافا لموقف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، وموقف وزير الأمن، موشيه يعالون. بل أنه لم يتردد في إقالة يعالون وتعيين أفيغدور ليبرمان مكانه على خلفية الخلاف بين يعلون (اليميني المستوطن) والفاشيين الإسرائيليين. ومن أجل إرضاء المستوطنين المتطرفين، أوعز نتنياهو بهدم بيوت عربية في إطار تنفيذ غريزة الانتقام لدى اليمين الاستيطاني المتطرف في أعقاب قرار المحكمة العليا بإخلاء البؤرة الاستيطانية العشوائية 'عمونا'. لقد هدم نتنياهو تسعة بيوت خلال ساعات معدودة في قلنسوة إرضاء لمستوطني 'عمونا'.

رغم كل ما سبق، يبقى السؤال: لماذا يريد نتنياهو البقاء في الحكم بعد أن تولى رئاسة الحكومة 11 عاما، حتى الآن؟ ما الذي يريد أن يحققه؟ بالمفاهيم الإسرائيلية هذه مدة طويلة وغير معقولة. وربما الإجابة على ذلك هي أن نتنياهو ببقائه في الحكم يخدم جهات في إسرائيل وخارجها، ولعل قضية نتنياهو – موزيس هي مجرد رأس جبل جليدي. لكن نتنياهو ليس الوحيد في هذا النهج، بل أن إسرائيل منذ 15 عاما تدار من قبل رؤساء حكومات يسيرون على النهج نفسه: أريئيل شارون دخل في غيبوبة ومات وهو مشتبه بالفساد، وايهود أولمرت يقضي عقوبة على فساده في السجن. والآن، ربما، الأصفاد بدأت تضيق على أيدي نتنياهو.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018