نتنياهو وحكومة بينيت!

نتنياهو وحكومة بينيت!

بلال ضاهر

ثمة علاقة مباشرة بين التحقيقات الجنائية بشبهات فساد سلطوي التي يخضع لها حاليا رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وبين القرارات التي يتخذها ضد الفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية. وبالإمكان القول أيضا، إن نتنياهو يتخذ قراراته بهذا الخصوص من خلال خضوعه للابتزاز. لكن هذا الابتزاز يأتي في موازاة تأييده للسياسة التي تمارسها حكومته، وهي: توسيع المشروع الاستيطاني في القدس والضفة الغربية، رفض حل الدولتين، عمليات هدم البيوت المتصاعدة في القدس والضفة الغربية والداخل (أي في النقب والمثلث والجليل).

فقد أعلن نتنياهو خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، أول من أمس الأحد، أنه قرر إزالة كافة القيود السياسية على دفع مخططات بناء في مستوطنات القدس، وأنه في موازاة ذلك يعتزم دفع مخططات بناء أخرى في الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية. وقرر الكابينيت أيضا تأجيل التصويت على مشروع قانون 'ضم' مستوطنة 'معاليه أدوميم'.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية، أمس الاثنين، عن مصادر مطلعة على النقاش الذي جرى داخل الكابينيت، أمس، قولهم إن الوزراء وافقوا على تأجيل التصويت على مشروع قانون 'ضم معاليه أدوميم' بعد أن قال نتنياهو إنه يؤيد مشروع القانون هذا وأنه يؤيد ضم كل المستوطنات في الضفة لإسرائيل. لكنه طلب تأجيل التصويت على مشروع القانون، الآن، لأن 'ثمة أهمية ألا نفاجئ الإدارة الأميركية الجديدة (للرئيس دونالد ترامب) بعد أيام من بدء ولايتها'. كذلك تحدث بهذه الروح نفسها رئيس حزب 'كولانو' ووزير المالية، موشيه كحلون.

وأكدت المصادر نفسها على أن رئيس كتلة 'البيت اليهودي' ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، وافق على تأجيل التصويت على مشروع قانون 'ضم معاليه أدوميم' فقط بعد تأكيدات نتنياهو على إزالة القيود على البناء الاستيطاني في القدس والضفة.

ولموافقة بينيت على إرجاء التصويت على مشروع القانون هذا أهمية كبيرة. إذ أن بينيت هو الممثل الأبرز للمستوطنين، من دون أن يحاول تجميل صورته أمام العالم، ويعبر بصراحة بالغة عن معارضته لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية. وهو يعمل بشكل علني، أكثر من غيره، من أجل غرس النزعات اليهودية المتطرفة، وفقا لأيديولوجية الصهيونية - الدينية، في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، مثل الجيش وجهاز التعليم والجهاز القضائي. وهو وحزبه يطرحون ويؤيدون كافة القوانين التي توصف بأنها عنصرية ومعادية للديمقراطية. كل هذا إلى جانب مطالبته المتواصلة بتوسيع الاستيطان وشرعنة ما تصفه إسرائيل بـ'المستوطنات غير القانونية'، أي تلك التي أقيمت من دون قرار مباشر من السلطات وعلى أراض بملكية فلسطينية خاصة.

والأمور لا تقف عند هذا الحد. بل أن بينيت والوزراء وأعضاء الكنيست من 'البيت اليهودي' كانوا أوائل الذين دفعوا، باستفزازاتهم، إلى اندلاع الهبة الفلسطينية في تشرين الأول/أكتوبر عام 2015. فهم أوائل المبادرين لاقتحامات المسجد الأقصى والاستيطان في قلب الأحياء الفلسطينية بالقدس وتضييق الخناق على المقدسيين في مجال البناء والمطالبة بهدم البيوت الفلسطينية في القدس والضفة. وهم أيضا أول من دعا إلى قتل الفلسطينيين بادعاء الاشتباه بنيتهم تنفيذ عملية طعن.

وفي مقابل قرارات المحكمة العليا بهدم بيوت في مستوطنات أو إخلاء بؤر استيطانية عشوائية، طالب بينيت وحزبه وجمعيات المستوطنين بممارسة سياسة 'تدفيع ثمن' ضد عرب الداخل، من خلال هدم بيوت في البلدات العربية. وطالبت جمعية 'ريغافيم' الاستيطانية بهدم مئات البيوت في مجد الكروم وهدم مساجد أيضا بادعاء أنها بنيت بدون ترخيص. وخلال موجة الحرائق التي نشبت في البلاد، قبل شهرين، واتهام عرب بإضرامها، اعتبر بينيت أنه 'فقط مَن ليست له هذه البلاد قادر على إحراقها'.

وعندما ناقشت الحكومة الإسرائيلية مشروع 'قانون التسوية' لشرعنة المستوطنات، أقنع نتنياهو بينيت بتأجيل التصويت عليها، بسبب ضغوط دولية، فقط بعد التعهد بهدم بيوت في البلدات العربية في الداخل وفي القدس والضفة، انتقاما لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية بهدم البيوت وإخلاء المستوطنين من البؤرة الاستيطانية العشوائية 'عمونا'.

وينبغي الإشارة في سياق هدم البيوت العربية إلى معطيات وردت في تقرير أعده مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست وصدر في 20 تشرين الأول/أكتوبر العام 2015. وأشار هذا التقرير إلى أن إصدار تراخيص البناء في إسرائيل ملتوٍ وطويل وغير شفاف. وقال التقرير إنه توجد 800 ألف مخالفة بناء، نصفها في البلدات العربية، لكن 97% من أوامر الهدم صدرت ضد بيوت عربية.

ويظهر مما تقدم، أنه على الرغم من أن نتنياهو وبينيت هما خصمان في الصراع على كسب تأييد وأصوات ناخبي اليمين، ورغم عدم وجود فروق جوهرية في مواقفهما، إلا أن نتنياهو أصبح رهينة بأيدي بينيت. وتصريحاته في الكابينيت المذكورة أعلاه، حول رفع القيود عن مخططات بناء استيطانية، يعني أن نتنياهو لم يعد يأبه بالضغوط الدولية، وبات يرزح تحت ابتزاز بينيت، الذي بإمكانه التهديد بالانسحاب من الحكومة وإسقاطها، في حال عدم الاستجابة لطلباته. وفي حال أقدم بينيت على خطوة كهذه فإن شعبيته ستزداد، حسبما تدل استطلاعات الرأي المنشورة مؤخرا، التي تشير إلى ارتفاع قوته في الكنيست لو جرت الانتخابات الآن.

ويعلم بينيت ونتنياهو أيضا، أن الأخير لن يكون بإمكانه الدخول في مواجهة مع بينيت، إلا إذا أراد إسقاط حكومته، التي تستند إلى 66 عضو كنيست بينهم 8 من 'البيت اليهودي'. وفي حال سقوط الحكومة، وعلى ضوء التحقيقات الجنائية ضد نتنياهو، فإن ثمة شكا كبيرا جدا في احتمال بقائه في الحكم بعد انتخابات جديدة، وهو لن يغامر بذلك الآن على الأقل. ويعني ذلك أن نتنياهو سيستمر في الاستسلام لابتزاز بينيت، ليصبح هذا الأخير المقرر الأهم في الحكومة الحالية ويكون، عمليا، صانع القرار ورئيس الحكومة الفعلي.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018